(إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويُكَذِّبُون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) كذبوه بأنه رسول (وينكرون البعث) هذه ثالثة (ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا) . هذه كلها من الفوارق بين المتقدمين والمتأخرين، أولئك كفروا بما ذكر، والمتأخرون آمنوا بما ذكر، بل قالوا: لا إله إلا الله. وصدَّقوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكروا البعث، بل آمنوا به ولم يكذبوا القرآن وجعلوه كلام الله تعالى ولم يجعلوه سحرًا، ولذلك قال: (ونحن نفارق أولئك نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم) . ويتصدقون، ويحجون، ويذكرون الله تعالى كثيرًا، بل فيهم من هو من العباد ممن يصوم يومًا ويفطر يومًا، (فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟) المتقدمين، إذًا فرق أو لا؟
ثَمَّ فرق، إذًا تكفير من قال: لا إله إلا الله. وصلى وصام إذا عبد غير الله أو استغاث بغير الله، هذا محل الشبهة، ولهم استدلال لذلك قلنا: هي شبهة العلماء. يعني: يوردها بعض المنتسبين إلى العلم، يستدلون لهذه الشبهة بالأدلة العامة الواردة فيمن قال: لا إله إلا الله. كحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» . رتّب الحكم هنا على القول «فإذا قالوها» ، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا» ، «حتى يشهدوا» ، «إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها» . حينئذٍ كف عنهم القتال، وهؤلاء المتأخرون ممن قالوا: لا إله إلا الله. وكان الأصل فيه أن يكف عنهم القتال، وحديث عتبان بن مالك «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» . علَّق الحكم هنا على القول «فإن الله حرم على النار» . يعني: لا يدخل النار. ومن أتى بالشرك لم يحرم عليه النار، بل هو خالد مخلد فيها.
إذًا فرق بين النوعين، فكل من قال: لا إله إلا الله، لا يمكن أن يحكم عليه بالشرك البتة «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله. يبتغي بذلك وجه الله» . والآيات الواردة في تكفير من دعا غير الله أو ذبح لغير الله لا يدخل فيها من قال: لا إله إلا الله. فكل من تلفظ بهذه الجملة فقد فارق أولئك المتقدمين وحُكِمَ عليه بالإسلام مهما فعل من النواقض، فكل من دخل في الإسلام لا يمكن أن يخرج منه البتة، هذا بناءً على هذه الشبهة.
والظاهر - والله أعلم - أن هذه الشبهة ليست مستقلة هكذا، وإنما هي مبنية على ما سبق، يعني: تقرر عندهم أن اللجأ والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، ليس من الشرك، وتقرر عندهم أن الدعاء دعاء غير الله تعالى ليس من العبادة، فإذا كان كذلك حينئذٍ ترتب عليه ما سيذكره المصنف رحمه الله تعالى، لأنهم - كما سيأتي - يقرون بأن من جحد الصلاة وقر بالتوحيد فإنه كافر. إذًا قال: لا إله إلا الله. وحكمنا عليه بالكفر، وهذا محل وفاق بين أهل العلم، لماذا فرقوا بين هذا وذاك وهم علماء في الأصل؟