الظاهر - والله أعلم - أن مبناه على الشبه السابقة أن الشرك بالمفهوم الشرعي لم يكن واضحًا عندهم، يعني: بعض صور الشرك الأكبر ليست واضحة عندهم، بل أخرجوا أفرادًا منه من الحكم عليه بكونه شركًا أكبر، كذلك العبادة كالدعاء ونحو ذلك والذبح مما سبق ذكره، كذلك لا يُسَمَّى عبادةً عندهم، ولذلك قال في الشبهة السابقة: (أنا لا أعبد إلا الله) . ولكن اللجأ إلى غير الله تعالى الصالحين ونحو ذلك والاستغاثة بهم ليس عبادة، إذًا وقع عندهم خلل، حينئذٍ لا يمكن أن يأتوا إلى هذه الجمل «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله. يبتغي بذلك وجه الله» . أن يجعلوا ذلك ناقضًا وليس بشرك عندهم، وإلا كما سيأتي من الإجابات التي أوردها المصنف أن ثَمَّ فصلًا أو بابًا عند الفقهاء - وهو مجمع عليه في الجملة - وهو: باب حكم المرتد. وأول ما يذكرون الشرك بالله، ومعلوم أن كثير من المتأخرين المصنفين في الفقه على المذاهب الأربعة عندهم انحراف في مفهوم لا إله إلا الله، فإذا كان عندهم انحراف في مفهوم لا إله إلا الله، وترتب عليه الانحراف في مفهوم الشرك الأكبر، حينئذٍ عندهم الناقض الأول الذي يُحْكَمُ على المسلم بأنه مشرك متى؟ إذا وقع الخلل عنده والشرك في الربوبية لا في الألوهية، حينئذٍ لا تعارض بين هذا الذي يذكره الآن وبين ما سبق بل له ارتباط قوي.
إذًا هذه الشبهة من قال: لا إله إلا الله. حينئذٍ لا يحكم عليه بالكفر، من صلى وصام إذا عبد غير الله تعالى ووقع في الاستغاثة بغير الله تعالى لا يحكم عليه بالشرك، لماذا؟ لأنه لم يفعل ما يخرجه من الملة لم يعبد غير الله تعالى، إذا استغاث بغير الله قلنا: هذا نوع دعاء. إذا استغاث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو طلب الشفاعة منه عليه الصلاة والسلام هو لم يفعل عندهم مكفرًا، فإذا كان كذلك فإذا حكمنا عليه بكونه قد فعل مكفرًا وأخرجه من الملة حينئذٍ قد كفرنا مَنْ؟
كفرنا المسلمين لأنهم لم يفعلوا ما هو شرك أكبر، إذًا هذه الشبهة مبناها على الشبه السابقة ليست مستقلة، بل تلك تعتبر مقدمات، مفهوم العبادة، مفهوم الشرك الأكبر، مفهوم لا إله إلا الله، وقع عندهم خلل، حينئذٍ إذا قال الموحد: لا إله إلا الله. ثم طرأ عليه أنه طلب الشفاعة من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا هل فعل ناقضًا أو لا؟ قطعًا أنه لم يفعل ناقضًا، لماذا؟ هل لكونه قال: لا إله إلا الله. أو لكونه لم يفعل شركًا البتة؟ لم يفعل شركًا البتة، إذًا هذه الشبهة ليست مستقلة عما سبق، بل هي تنادي أخواتها في مفهوم الشرك والعبادة ونحو ذلك. ولذلك الأجوبة هنا التي أوردها المصنف هم يوافقون عليها في الجملة لا يخالفون. ولذلك يحكى الإجماع، عدة إجماعات كما سيأتي إجماعات قطعية لا خلاف فيه، بل إذا أنكر ما قد ذكر يخشى عليه من المروق من الملة.