إجماع السلف على أنه داخلٌ في مسمى الإيمان، والمراد به جنس العمل، يعني: لا بد أن يعمل، فمن كَفَّرَ تارك الصلاة حدد الجنس، ومن لم يكفر حينئذٍ لا بد وأن يعمل من ادَّعى الإيمان شيئًا ما صلاةً، أو زكاةً، أو حَجًّا، أو صومًا .. أو نحو ذلك، لا بد أن يأتي بشيءٍ من هذه الأمور، هذا إذا قلنا بأن العمل داخلٌ في مسمى الإيمان وهو مذهب أهل السنة والجماعة، حينئذٍ القاعدة الأخرى وهم مرجئة بأنواعها أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، الكفر نقيض الإيمان فحينئذٍ إذا فعل ما هو عملٌ في الظاهر وحكمنا عليه بأنه كفر، على القول بأن العمل داخلٌ في مسمى الإيمان - وهو مذهب السلف - لا إشكال فيه، يخرج من الملة بوجود هذا العمل، من يخرج العمل عن مسمى الإيمان لا يمكن أن يُكَفِّر بعملٍ ظاهرٍ دون أن يصحبه اعتقادٌ البتة، لا يمكن لماذا؟
لأنه ما فعل شيئًا يخرجه عن دائرة الإيمان، هو العمل كله ليس داخلًا في مسمى الإيمان، فكيف نقول: بأنه كفر لفعل كذا ولفعل كذا، فثَمَّ تعارض بين القولين مبناه على الخلاف، نقول: الخلاف عند المتأخرين، أما السلف فليس عندهم خلاف في أن العمل داخلٌ في مسمى الإيمان، بل إجماعٌ كما سيذكره المصنف في آخر الكتاب بأن الإيمان والتوحيد والإسلام اعتقادٌ، وقولٌ، وعملٌ، والمراد بالعمل هنا عمل الجوارح، فإذا انتفى هذا الركن الثالث كانتفاء الاعتقاد، ما ينفعه الإيمان وإذا انتفى الركن الثالث هذا العمل كانتفاء القول فلا ينفعه الإيمان، حينئذٍ الكفر نقيض الإيمان، فيكون بالاعتقاد وهذا يدخل فيه الشك لأنه محله القلب، ويكون بالقول، ويكون بالعمل، من أخرج العمل عن مسمى الإيمان لا بد أن يقول بأن هذا كفرٌ الذي هو العمل الظاهر لاعتقاده كذا وكذا، لا بد أن يجعلوا الاعتقاد قيدًا في الحكم عليه بالكفر، ولذلك يقولون في قوله تعالى: ( {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 74] ) . قالوا: هذه الكلمة كشفت عن كفرهم، سبّ الله تعالى هل هو كفرٌ أو لا؟ لا، ليس بكفرٍ عندهم، وإنما هو دليلٌ على الكفر، أمَّا السبّ نفسه فليس بكفرٍ، ولذلك بعضهم يحكي - المعاصرين - يقول: [ثم خلافٌ في] [1] لا خلاف في السبّ دون السابّ. لا خلاف في السبّ أنه كفرٌ، وأما السابُّ فهذا محل خلاف، ونحن نقول: لا فرق بينهما، كل من تلبس بهذا الفعل فقد فعل مكفرًا فأخرجه من الملة ولو اشترطوا فيه الاعتقاد، لا يشترط فيه الاعتقاد، على كلٍّ هذا سيأتي بحثه في آخر الكتاب.
إذًا: هنا قال: (أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب) . وذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في من سبّ الله تعالى وأنه كافرٌ ظاهرًا وباطلًا وأنه لا يعذر بالجهل البتة. فلو ادَّعَى الجهل لم يُقبل منه مطلقًا، وأن هذه المسألة مبناها - عند شيخ الإسلام - وهو الحق مبناها على أن الإيمان قولٌ وهو عمل، وأما من أخرج العمل فعنده نظرٌ في مثل هذه المسائل، إذًا: ما هو أول الجواب؟
(1) سبق.