فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 446

إذًا ظاهر كلام المصنف هنا أنهم طلبوا شجرة يعكفون حولها ويتبركون بها طلبًا للثواب في الدنيا والآخرة، وهذا فعل المشركين وهو شرك أكبر، وهذا ظاهر لأنهم وإن كانوا موحدين وإن كانوا صحابة إلا أنهم كما جاءوا في الحديث حدثاء عهد بكفر، إذًا لم يتوغل عندهم أو خَفِيَ عليهم بعض مسائل الشرك أو بعض أفراد التوحيد، إذًا هذا شرك أكبر، وهذا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى بأن اتخاذ هذه الشجرة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله، مع أنهم لا يدعونها، وهذا الذي رجحه الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى حيث قال: ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر. لأن بعض أهل العلم يرى أنه من الشرك الأصغر (اجعل لنا ذات أنواط) يتبركون بها ويضعون عليها أسلحتهم، ويرجون منها البركة والنفع والضُّرّ لأنها تفيدهم في قتالهم .. ونحو ذلك، ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو كان منه لما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - (نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا) ، وأقسم على ذلك، بل هو من الأكبر كما أن ما طلبه بنو إسرائيل من الأكبر، وإنما لم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بكفر، وسبق أن مثل هذه الأفراد إذا فعلها من هو حديث عهد بكفر أنه لا بد من إقامة الحجة، ولذلك أجمع العلماء في الطرفين في القصتين أنهم لو فعلوا ما نهوا عنه لكفروا، لكفرُوا لماذا؟ لأن جعل إلهٍ مع الله كفر وشرك، ثم هو رد ومعارضة ومعاندة للنبي، وكذلك (اجعل لنا ذات أنواط) هو في نفسه شرك أكبر فلو فعلوه لكفروا، ومع ذلك كذلك هو معاندة ومعارضة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إذًا ذكر المصنف هاتين القصتين والمراد بالصورة المستشهد عليها بالنصين أنه من الشرك الأكبر، إذ لو كان الثاني من الشرك الأصغر لما أورده المصنف هنا لأن البحث مع المشركين ليس بالشرك الأصغر، لأنه مسلم باقٍ على إسلامه ونحن نريد أن نصل بأن الشرك الذي يُخرج من الملة لا ينفع مع قول لا إله إلا الله، يعني: ينقض لا إله إلا الله من أصلها. وهذا دليل على أن المصنف هنا مال إلى أنه شرك أكبر، والمسألة فيها نوع خلاف بين أئمة الدعوة، هل هذا الطلب شرك أكبر أو أصغر فيه خلاف، بل ذهب ابن تيمية رحمه الله تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما حلف هنا من أجل المشابهة فيه مشابهة للمشركين، وهذا فيه بعد، والله أعلم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان فيه مجرد مشابهة لما أقسم أولًا، ولما ندده وناظره بقول بني إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت