فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 446

إذًا قصة موسى مع أصحابه أنهم طلبوا صورة من صور الشرك الأكبر، ولم يكن ذلك شكًّا في وحدانية الرب جل وعلا، إذ لو كان شكًّا لما حكمنا بإسلامه، وإنما ثبت إسلامهم أولًا ثم وقع منهم طلب شيء هو شرك أكبر، إذا تقرر هذا حينئذٍ نفهم من حديث أبي واقد الليثي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَ مقولتهم بمقولة هؤلاء، والأصل في التشبيه أن يكون من كل وجه، هذا الأصل فيه ويُحمل عليه. قال هنا: (ومن الدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله عز وجل عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ، وقول أناسٍ من الصحابة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط) عرفنا أنواط أَفْعَال جمع نَوْطٍ بإسكان الواو نَوْط فَعْل، وهو ما يُعَلّق عليه الشيء يعني: شجرة ونحو ذلك يعلق عليه السلاح فتطلب البركة من الشجرة في السلاح، ويطلب الثواب في الدنيا وفي الآخرة، هذه الصيغة وهذه الصورة موجودة في مشركي العرب وهؤلاء كانوا مشركين في الأصل، فإنما ينصرف طلبهم إلى ما عهدوه سابقًا وهو الشرك الأكبر (وقول أناسٍ من الصحابة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط) عرفنا النوط (فحلف) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أن هذا) ما هو؟) (اجعل لنا ذات أنواط) يعني: طلبهم. (اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط) طلبهم لأنه لم يفعلوا، عندنا قول طلب، وعندنا فعل، أصحاب موسى قالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا} . ولم يفعلوا، إذًا فرق بين الحالين، قول طلب وفعل، وهنا أناس من الصحابة قالوا ولم يفعلوا، حينئذٍ (حلف) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أن هذا) أي: هذا الطلب مثل (قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا) وعلمنا أن قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا شرك أكبر أم أصغر؟ أكبر، وهنا مَثَّلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه المقولة بتلك، فدل في الأصل على أنها مساوية لها في الشرك أو لا؟ هذا الأصل، الأَصل فيها التساوي، ولذلك قال في (( فتح المجيد ) ): شَبَّهَ مقالاتهم هذه بقول بني إسرائيل بجامع أن كلاًّ طلب أن يُجْعَلَ له ما يَأْلَهُهُ ويعبده من دون الله. كلاًّ منهما، قال: يألهه ويعبده، وهذا ليس بشرك أصغر بل هذا شرك أكبر، لأنه يألهه ويعبده معناه صرف شيئًا من العبادة لغير الله جل وعلا، وهذا هو عين الشرك قال في (( فتح المجيد ) ):"وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغير الاسم لا يغير الحقيقة". وهذا ظاهر صنيع المصنف هنا رحمه الله تعالى أن هذا الطلب من بعض الصحابة طلب لشرك أكبر، لأن العكوف هذا عبادة مستقلة، وطلب البركة عبادة أخرى، فإذا صرف شيء من هاتين العبادتين إما جمعًا أو استقلالًا لأحدهما دون الآخر، فهو صرف العبادة لغير الله جل وعلا، [فيعتبر شركًا أصغر $$$ هل أكبر 22.24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت