فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 446

ثالثًا: أن الله تعالى فطر الناس على الإسلام والتوحيد قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30] فدل على أن الناس إنما خلقوا مفطورين شاهدين بالتوحيد وبما أخذه الله تعالى عليهم في صلب أبيهم آدم، وهو الذي دل عليه قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] . {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} يعني: معبودكم. لأن الرب هنا يطلق ويراد به المعبود، كلاهما كل منهما إذا انفرد دخل فيه الآخر، وإذا اجتمع افترقا {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} يعني: معبودكم. وهذا الميثاق هو الأول وهو ميثاق حقيقي ميثاق حسي وليس المراد به ماذا؟ ميثاق الفطرة، قد فسره بعضهم من السلف وكأن ابن كثير رحمه الله تعالى يميل إلى هذا التفسير إلى أن المراد بهذه الآية الميثاق الفطري يعني: موافق لآية الروم {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} ... إلى آخره والصواب أنه مخالف له، وأن ذاك ميثاق خاص أخرج الله تعالى ذرية آدم من صلبه وقال: {ذُرِّيَّتَهُمْ} . يعني: بعضهم من ظهور بعض كما يتوالدون في الدنيا قال: {أَلَسْتُ} . القول هنا يطلق ويراد به ماذا حسي أو معنوي؟ حسي الأصل ولا يحمل على المعنى إلا بدليل هذا الأصل، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} . إذًا خطاب سؤال وجواب وأخرجنا وَمُخْرَج وَمُخْرج منه، هذا يدل على أن القضية هنا ليست قضية معنوية أنهم يولدون شاهدين على التوحيد، بل الصواب أن هذا ميثاق وأن الفطرة ميثاق ثانٍ، وهو المشار إليه في هذه الآية، فأخذ عليهم العهد أولًا أنه ربهم ومعبودهم جل وعلا، ثم خلقهم وأوجدهم في هذه الحياة شاهدين نفسيًّا وفطريًّا بما أخذه عليهم في ظهر أبيهم آدم، ثم أرسل إليهم الرسل وهو الميثاق الثالث {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] والميثاق الأول والثاني لا تقوم به الحجة على الخلق لأنه منسي لأنه قد يقال مثلًا: أنا ما أذكر. ولذلك بعضهم رده وأوله بالفطرة لأنه قال: لا يذكرون الخلق. نقول: كونهم لا يذكرون ذلك الميثاق لأننا نقطع بوجوده لخبر الله عز وجل أولًا، ولصحة الآثار الدالة على ذلك، ثم كونهم مفطورين على ما أخذ عليهم هذان الميثاقان لا تحصل بهما الحجة على الخلق، وإنما الحجة تحصل بماذا؟ بإرسال الرسل {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} أخبرنا بالميثاق الأول وأخبرنا بالميثاق الثاني، ثم قال: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} . فدل على أن ميثاق الفطرة لا تحصل به الحجة كما أن الميثاق الأول لا تحصل به الحجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت