(أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين) وجدت هذه البدعة غلو أولًا ووقعوا في المحرم فنشأ عنه الوقوع في الشرك الأكبر وهذا يجعل الإنسان من هذه الأمة الذي نهاه نبيهم - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إياكم والغلو» . أن لا يغلو في شخصٍ البتة مدحًا أو ذمًا، لا تأتي بطالب علم وتقول هذا إمامٌ من أئمة المسلمين وهو لا يتجاوز قدره، وإذا ذممت لا تقل هذا شرٌ من إبليس، إلا اللهم إذا دل دليلٌ حينئذٍ لا بأس به.
(ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا) هذه الأصنام وهذه الأسماء الخمسة كانت في زمن نوحٍ عليه السلام، ثم الذي كَسَّرَهَا هو آخر الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وهو محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وذلك قال المصنف: (وآخر الرسل محمد) - صلى الله عليه وسلم -، (محمد) بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي من سلالة إسماعيل بن إبراهيم أشرف الناس نسبًا، وقد أجمع أهل العلم على أنه آخر الأنبياء لقوله تعالى: {وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ولم يقل خاتم المرسلين لأن النبوة أعم من الرسالة، وإذا نُفِيَ الأعم استلزم نفي الأخص، لكن لو قال وخاتم المرسلين لو قال قائل إنه نبي لا يستدل بهذه الآية على إبطال دعوته، لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم لكن قال: {وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} . يعني: من بابٍ أولى أن لا يكون رسولًا بعده إذا نفيت النبوة وهي أعم فحينئذٍ نفي الرسالة من بابٍ أولى وأحرى، وهو أي: النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام، وأما نزول عيسى بعده كما سيكون من علامات الساعة ونحو ذلك نقول: نزول عيسى عليه السلام إنما يكون حاكمًا بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، لم يأت بشريعةٍ جديد، ودلت النصوص القطعية أن عيسى عليه السلام رسول وأنه من أولي العزم الرسل الخمسة، وأن الله تعالى رفعه إليه، وأنه حيٌ لم يمت هذه كلها واضحة بينة، حينئذٍ رفع الوصف بالرسالة أو النبوة عنه يحتاج إلى دليل، إذا قيل: بأنه ينزل في آخر الزمن. الأصل فيه أنه ينزل ماذا؟ رسولًا هذا الأصل، لكن لا يقتضي ذلك أن هذه الرسالة التي لكن لا يقتضي ذلك أنه ينزل رسولًا جديدًا بعد محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ولكن خاتم {وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} نقول: من يُوحى إليه وَحيًا جديدًا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا مقطوعٌ بنفيه ومن ادعى النبوة أنه أوحي إليه وحيٌ جديد وشريعة جديدة بعد محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - عليه وسلم فهو كاذبٌ، وأما نزول عيسى رسولًا على وصفه الذي رفع به نقول: هذا لم يأت ناسخًا لشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير، وهذا إقرار حينئذٍ صار ماذا؟ صار وجود الخنزير والصليب نقول مؤقتٌ بنزول عيسى عليه السلام، فإذا نزل حينئذٍ نقول الإخبار من النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتبر تشريعًا، فلم يأت عيسى عليه السلام بشريعة جديدة، والأصل بقاء ما كان على ما كان أنه رسولٌ ونبي وأنه من أولي العزم من الرسل.