قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في تعريف الغلو: بأنه مجاوزة الحدّ بأن يزاد في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه، إذا مدحت امدح بعدل وبإنصاف وبقسط، وإذا ذممت كذلك ذُمَّ بعدل أولًا ذم بحق وشرع ليس كل من ذُمَّ كان مصيب تَذُّم بشرعٍ، ثم بعد ذلك لا بد من الإنصاف في الذم و (الصالحين) جمع صالح وهو القائم بحدود الله وحقوق عباده. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في (( التوسل والوسيلة ) )قاعدة: ولفظ الصالح والشهيد يذكر مفردًا فيتناول النبيين والصديقين والشهداء. إذًا لما غلو في الصالحين لا يفهم منه أنه لا يشمل النبي النبيين أو المرسلين، بل يدخل فيه النبي والرسول، ويدخل فيه كلٌ من الصديقين والشهداء، ولذلك قال: لفظ الصالح وكذلك الشهيد يذكر مفردًا دون أن يقرن بغيره كما هو الحال معنا هنا، فيتناول النبيين والصديقين والشهداء لأنه قد يقول لك قائل وهو يغلو في النبي - صلى الله عليه وسلم - الغلو في الصالحين، الصالحين ليس بالأنبياء والرسل نقول: لا صالحون لفظٌ يشمل الأنبياء عند الإنفراد يشمل الأنبياء والرسل والصديقين والشهداء ويذكر مع غيره فيفسر بحسبه إذًا (لما غلوا في الصالحين) يشمل الصالحين دون الأنبياء ويدخل فيهم كذلك الأنبياء قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] هذا نهي والنهي يقتضي التحريم وهذا النهي وإن كان موجهًا لأهل الكتاب إلا أنه يشمل هذه الأمة {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} من هم أهل الكتاب؟ اليهود والنصارى التوراة لليهود، والإنجيل للنصارى {لاَ تَغْلُواْ فِي ... دِينِكُمْ} يعني: لا تتجاوزوا الحد مدحًا أو قدحًا وهذا واقعٌ في الأمتين اليهودية والنصرانية، فإنهم غلو في عيسى عليه السلام مدحًا وقدحًا، فالنصارى أدعو أنه ابن الله هذا مدح غلو فيه قالوا: إنه ابن الله وجعلوه ثالث ثلاثة، واليهود غلو فيه قدحًا ضد الفرقة السابقة حيث أدعو أنه ولد زنا وأن أمه زانية - قاتلهم الله - فنهى الله تعالى عن الغول في الدين وهذا النهي عامٌ يشمل هذه الأمة ويدل عليه نصوصٌ خاصة من النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «إياكم والغلو» . «إياكم» هذه كلمة تحذير ويحملها الأصوليون على التحريم من صيغ التحريم (( إياك ) )، إياك وكذا نقول: هذا للتحريم. فالغلو محرم لهذا النص فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو، إذًا سبب هلاك الأمم السابقة هو الغلو مجاوزة الحد مدحًا أو قدحًا، وهذا الحديث فيه حصر يعني: السبب الوحيد الذي وقع أو كان سببًا في هلاك الأمم السابقة هو الغلو، لكن نقول: دل حديثٌ آخر على أن ثَمَّ [سببٍ على أن ثم] [1] سببًا آخر سببٌ لهلاك الأمم السابقة قل - صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك من كان قبلك أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» . هذا سببٌ للهلاك إذًا قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما أهلك من كان قبلكم الغلو» . «إنما» للحصر لكنه حصرٌ إضافي فحينئذٍ يحمل على التعبد والحديث الآخر يحمل على الحكم، فثَمَّ غُلُوَّان هما سببٌ للهلاك، فالهلاك في الحديث الأول باعتبار التعبد، وفي الثاني باعتبار الحكم.
(1) سبق.