فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 446

خطيرة، بريد الشرك والكفر، فحينئذٍ ينبغي العناية بمعرفة حقيقة البدعة والتحذير منها، فلما هلكوا ماتوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا - وإلى الآن لم يقع شرك - فلم تعبد بقي حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم وفي رواية: وتَنَسَّخَ العلم نُسِيَ العلم ذهب زال عبدت، إذًا في أول الأمر لم تكن معبودة وإنما هي مجرد رأيٍ واقتراح وبدعة وضلالة، ثم آل بهم الأمر بعد تنسخ العلم أن عُبِدَت، ولما وجد أولئك الأقوام الذين يعرفون حقيقة هؤلاء واتخذوا تلك الأصنام والأنصاب لم يعبدوها، ولكن لما تطاول الأمد حينئذٍ نُسِيَ العلم ولم يعرف القصد الأصلي من وجود هذه الأنصاب فعبدوها، قالوا: ما وضعوها إلا من أجل أنهم يُتقرب بها إلى الله عز وجل ووقع الشرك.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال غير واحدٍ من السلف لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم - بدعتان - ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقع الشرك مقدمتان بدعتان عكفوا على القبور قد لا يكون ثم عبادة وقد يكون، لكن الظاهر أنه لم توجد عبادة عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم - بدعتان -، ثم طال عليهم الأمد تنسخ العلم نُسي العلم ذهب العلماء حينئذٍ وُجد الشرك فعبدوهم والعياذ بالله، أيضًا قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ} [البقرة: 213] . قال ابن عباسٍ في تفسير الآية: كان بين آدم ونوحٍ عشرةُ قرون كلهم على شريعة الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين، ولا خلاف هنا في التوحيد إلا بوقوع الشرك الأكبر. وعن عكرمة قال: كان بين آدم ونوحٍ عشرة قرون كلهم على الإسلام. إذًا قوم نوح عبادٌ للأوثان من أهل الأوثان كما هو الشأن في قريش فقد أحدثوا الشرك وعبادة الأصنام، (فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله تعالى إلى قومه لما غلوا في الصالحين) والغلو هو مجاوزة الحد - هكذا في لسان العرب - غلى يغلو، ولذلك لما كان هذا السبب هو الأصل في انصراف الناس عن التوحيد إلى الشرك، عنون له شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد بابًا سماه باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، الغلو في الصالحين مجاوزة الحد في الصالحين، والغلو هو مجاوزة الحد في الثناء مدحًا أو قدحًا، تمدح فترفع، تقدح فتضع، نقول: الغلو وعدم الإنصاف في المدح، وعدم الإنصاف في الذم والقدح، هذا مذمومٌ شرعًا، وقد يؤدي إلى البدعة وقد تفضي هذه البدعة إلى الوقوع في الشرك الأكبر. وسبق معنا أن قوم نوح أول ما حصل منهم هو البدعة، ثم بعد ذلك وقع الشرك، والبدعة التي حصلت هي الغلو في الصالحين، ولذلك حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأمية من أسباب الوقوع في الشرك وأعظمها الغلو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت