قد عرفنا أن الأصل في الإنسان التوحيد من لدن آدم عليه السلام إلى قرابة عشر قرون كما ذكر غير واحد من السلف كلهم على الجادة على التوحيد توحيد الرب جل وعلا بإفراده بالعبادة دون ما سواه وتأليه القلب بالله جل وعلا، (فأولهم نوح) أول الرسل وهو من أولي العزم من الرسل (فأولهم نوح عليه السلام أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين) يعني: لما وقع الشرك وانتشر وأَلَّهُوا معبودات حينئذٍ أرسل الله جل وعلا يعني: وُجِدَ السبب أولًا وهو الانحراف في التوحيد، ثم أرسل الله تعالى نوحًا عليه السلام، أرسله إلى قومه لما غلوا وتجاوزوا الحد في الصالحين، الصَّالحين كما ذكرناه أنه يشمل الأنبياء والرسل فليس خاصًا بما هو دون الأنبياء والمرسلين كما نقلناه عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
ثم ذكر خمسًا من هذه الأصنام (ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا) وهذه كما جاء في صحيح البخاري عن العباس رضي الله تعالى عنهما أنها أسماء رجال صالحين كانوا في زمن أو في القوم الذين أرسل إليهم نوح عليه السلام، وكان فيهم من الصلاح لما ماتوا أرادوا أن يتذكروا وأن يعلوا همتهم بالعبادة وأن يروا الاقتداء والتأسي بأولئك الذين ماتوا فنصبوا الأنصاب والتماثيل والصور عليها على قبورهم، ثم لما تَنَسَّخَ العلم وذهب وذهبت الحكمة التي من أجلها وضعوا هذه الأصنام وهذه التماثيل عُبِدَت من دون الله جل وعلا، ولذلك أخذ أهل العلم ذكره شيخ الإسلام وغيره أن مقولة السلف أن البدعة بريد الكفر والشرك مأخوذة من هذا النص لأنهم ابتدعوا أولًا بوضع هذه:
أولًا عكفوا على القبور وهذه بدعة.
ثم صوروا تماثيل هؤلاء الصالحين وهذه بدعة ثانية لم تعبد آنذاك.
لكن لما طال عليهم الأمد ونُسِيَ العلم ذهب العلم بالتوحيد وذهب العلم بأن هذه العبادة لا يجوز صرفها لغير الله وأنهم صالحون لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا حينئذٍ توجهوا إليها بالعبادة، وقالوا: ما جعلها السابقون السلف إلا - أسلافهم يعني - ما وضعوا هذه الأصنام إلا وهم يعتقدون فيها التأثير ولذلك عُبِدَتْ.