نقول: هذان الأمران لا بد من معرفتهما الوصف أولًا ثم الحكم، والحكم يؤخذ من الكتاب والسنة، وأما الوصف فيؤخذ من الشرع ومن الواقع نفسه، لأن أشياء تدرك بالحس مما نقله أرباب التاريخ عن وصف أحوال قريش ونحوه ثم ما جاء ذكره في الكتاب كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 31] . بين أنهم أقروا بتوحيد الربوبية، ثم وجدنا بعض الصفات التي نقلها أرباب التاريخ تؤيد ذلك. قال: (أرسله الله إلى أناس) . أخرج به ماذا؟ أخرج الجن والملائكة، لكن ليس هذا مقصودًا من المصنف رحمه الله تعالى وإلا فالإجماع قائم على أن النبي عليه الصلاة والسلام أُرْسِلَ إلى الجن كما أنه أرسل إلى الإنس، وهل أرسل أيضًا إلى الملائكة؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم، وأما إرساله إلى الجن فهذت قد نص عليه الكتاب {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن: 1] ، وجاء {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] ... إلى آخر الآيات التي دلت على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ الجن فآمنوا به ثم وَلَّوا إلى قومهم منذرين، (أرسله الله إلى أناس) إذًا والجن كذلك لكن نصّ المصنف هنا رحمه الله تعالى على الأُناس وهو [واحد أو] [1] اسم جمع لا واحد له من لفظه وإن قيل بأن الإنسان واحد لكن هذا ليس بصواب، فالأناس الذين بعث إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت لهم أوصاف وكانت لهم أحوال، هل يعرفون الرب جل وعلا أو لا؟ هل لهم عبادات أو لا؟ ماذا كانوا يفعلون مع هذه التماثيل والأصنام؟ ما الذي صرفوه إلى هذه الأصنام؟
أسئلة لا بد من الإجابة عليها، بعضها نعرفه من الشرع، وبعضها نعرفه من الحس والنقل التاريخي، (أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله) وفي بعض النسخ (كثيرًا) هذه الجملة تدل على أنهم ليسوا أهل فترة، من أرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعرفون إبراهيم عليه السلام، وينتمون إلى رسول من الرسل، وعندهم نوع عبادات، وهي كثيرة جدًا، وهي كثيرة، نأخذ من هذا أنهم ليسوا أهل فترة، وأهل الفترة من هم؟
قالوا: هم الذين وقعوا بين رسولين لم يدركوا الأول ولم يدركهم الثاني. لم يدركوا الأول بمعنى أن الأول قد أرسل بشرع ثم أندرس ذلك الشرع ولم تبق لهم معالم ولا أثر، فحينئذٍ إذا وجد أناس لم يسمعوا بذلك الرسول ولم يعرفوا شريعته حينئذٍ نقول: هؤلاء لم يرسل إليهم الأول، ما أدركوه حسًا ولم يدركوا شرعه، ثم بعث - ماتوا - وبعث بعده رسول هل أدركهم الرسول؟ قالوا: لا، إذًا وقعوا بين منزلتين بين رسولين وهذا وإن قال به كثير من أهل العلم إلى أن بعضهم - بعض المحققين من السلف وغيرهم - أنكر وجود ما يُسمى بأهل الفترة، وإن وُجِدَ بعضهم كالأصم ونحوه مما دل الحديث على أنه يُبتلى ويُختبر لكن بهذه الصفة وجود قوم بين رسولين هذا ظاهر النصوص والله أعلم ردّه، لماذا؟
لأنه ينافي أصول قطعية:
أولًا: ما الحكمة من خلق الخلق؟
(1) سبق.