فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 446

أراد أن يبين لنا أصلًا مهمًا يخالف فيه أهل البدع قديمًا وحديثًا وهو [أن أولئك المشركون] [1] أن أولئك المشركين مقرون بتوحيد الربوبية، وأنهم أتوا به على وجهٍ وإن لم يكن على وجه الكمال إلى أنهم أتوا على الأمور العامة كالخلق والملك والتدبير ونحو ذلك وملك النفع والضر أتوا به واعتقدوه، ومع ذلك كَفَّرَهُم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَاتَلَهُم وأَحَلَّ دِمَاءهم وأموالهم، وإلا فهؤلاء المشركون مع اعتقادهم في الوسائط (يشهدون) ويقرون بألسنتهم إذا سئلوا (أن الله هو الخالق وحده لا شريك له) في الخلق (وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلى هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيها كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره) . هذه الجملة تدل على أنهم مقرون بتوحيد الربوبية، ومع ذلك لم يكف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تكفيرهم وعن قتالهم، وهل هذا الحكم قطعي أم أنه محل اجتهاد ونظر واستنباط؟

الأول، أمر مجمعٌ عليه بين أهل العلم، تواترت النصوص نصوص الوحيين كم من آية وكم من نص نبوي يبين فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا مقرين بهذا التوحيد، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له في الربوبية، وحده لا شريك له بمعنى أنهم ينفون صفة الخلق عن هذه الآلهة، أما ذكرنا أن الوحدة معناها الإنفراد، فإذا اعتقدوا أن الله وحده هو الخالق معناه أنهم ينفون صفة الخلق عن الآلهة، وأنه لا يرزق إلا هو جل وعلا، فينفون أن تكون هذه الآلهة رازقة، وكذلك الإحياء والإماتة والتدبير، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضي السبع ومن فيها كلهم عبيده، يعني مُعَبَّدُون لله جل وعلا، عبيده مُعَبَّدُون لله جل وعلا بالتسخير أو بالاختيار، يعني: يشمل النوعين عبادة التسخير وعبادة الاختيار لأن كلهم عبيد من في الأرض منهم المشركون ومنهم الكفار ومنهم المؤمنون، إذًا اجتمع فيهم العبادتان عبادة التخيير وعبادة التسخير، [وتحت تصرفه] الصرف رد الشيء من حالة إلى حالة أو إبداله بغيره (وقهر) والمراد بالتصرف التدبير (وقهر) القهر المراد به الغلبة والتذليل معًا.

عرفنا أن هذا التوحيد قد أَتَوْا به، ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام، بل قاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكرت أن هذه المقدمة قطعية مجمعٌ عليها بين أهل العلم، وإنما خالف فيها المتصوفة ومن على شاكلتهم، لأن توحيدهم كما سيأتي تفصيله في محله توحيدهم هو توحيد المتكلمين الذين فسروا لا إله إلا الله بلا قادر على الاختراع إلا الله جل وعلا، أو لا حاكم إلا الله، نقول: هذا تفسيرٌ له بماذا؟ بتوحيد الربوبية فمن اعتقد أن التوحيد الذي جاء به ... محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وقاتل عليه المشركين هو إفراد الله تعالى بالخلق أو الرزق أو التبدير فهذا ليس من أهل الإسلام في شيء، ليس من أهل الإسلام في شيء لماذا؟ لأنه لم يقر إلا بما أقر به المشركون الذين قاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت