قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ابن تيمية: أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون. وهذا محل وفاق، أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو من توحيد الربوبية حجةً عليهم، وهو دليلٌ على إثبات توحيد الألوهية، ولذلك ذكرنا أن توحيد الربوبية دليل وتوحيد الألوهية مدلولٌ عليه، فمن أقر بالأول لزمه أن يَقِّرَ بالثاني.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: والإلهية التي دعت إليه الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه توحيد العبادة وليس من يكون هو الخالق أو الرازق، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية، إذا اعتقد أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله ولا محيي ولا مميت إلا الله، ولا يملك السموات ومن فيهن إلا الله، ولا يملك الأراضين السبع ومن فيهن إلا الله، لماذا يتوجه إلى غيره؟
إذا كان الله عز وجل هو المتصف بهذه الصفات العظيمة الجليلة إذًا كيف يتوجه بالعبادة إلى غير الله؟!
هذا نقصٌ في العقل قال في (( الدرر ) ): لم يقال أحدٌ من الكفار أن أحدًا يخلق أو يرزق أو يدبر أمرًا، بل كلهم يقرون أن الفاعل لذلك هو الله، وهم يعرفون الله بذلك، وهذا الإقرار لم يدخلهم الإسلام، ولا أوجب الكف عن قتالهم وتكفيرهم فهم كفار ويجب قتالهم.
وقال الإمام محمدٌ الوهاب رحمه الله تعالى: فأما توحيد الربوبية فهو الأصل ولا يغلط في الإلهية إلا لمن لم يعطه حقه كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] .
وقال شيخ الإسلام كذلك في (( الدرر ) ): ومن المعلوم أن لله تعالى أفعالًا وللعبيد أفعالا، الله عز وجل له أفعال خلق ورزق وتدبير ونفع وإحياء وإماتة ونحو ذلك، والعباد لهم أفعال ذبح ونذر وركوع وسجود، فأفعال الله الخلق والزرق والنفع والضر والتدبير وهذا أمرٌ لا يُنَازِعُ فيه لا كافر ولا مسلم، وأفعال العبد العبادة كونه ما يدعو إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح إلا له، ولا يخاف خوف السَّرِّ إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه. فالمسلم من وَحَّدَ الله بأفعاله سبحانه وأفعاله بنفسه، من جمع بين التوحيدين في الفعلين، فعل الله تعالى وفعلك أنت، المسلم من جمع بين التوحيدين وَحَّدَ الله في أفعاله وَوَحَّدَ الله تعالى في أفعاله هو بنفسه، ولذلك قال رحمه الله: فالمسلم من وَحَّدَ الله بأفعاله سبحانه وأفعاله هو بنفسه، والمشرك الذي يوحد الله بأفعاله سبحانه ويُشرك بأفعاله بنفسه. يعني: لم يجمع بين التوحيدين، ونقل الشيخ الإجماع على هذا كما في (( الدرر ) ).
إذًا نقول: هذا التوحيد مع كونهم يقرون به إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام ولا رفع عنهم السيف، بل أحل دماءهم وأموالهم.
إذًا أصلٌ من الأصول المتقررة في مقدمة هذا الكتاب أن توحيد الربوبية لا يُدْخِلُ صاحبه في الإسلام، فمن ادَّعَى أنه موحدٌ باعتقاد أن الله موجود أو أن الله هو الخالق نقول: هذا هو توحيد أبي جهل.