إثبات توحيد الألوهية، إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، [ولهذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -] [1] ولذلك قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية وأنه لا شريك له فيها ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًّا ولا يملكون، ولا يستبدون بشيء بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى كما قال: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] . فقال: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا} [المؤمنون: 84] أي: من مالكها الذي من هو مالكها الذي خلقها (وَمَن فِيهَا) من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات، (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) هذه شهادة، أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك قال: (قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منهما والجهات ومن هو رب العرش العظيم يعني: الذي هو سبق المخلوقات (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) أي: إذا كنتم تعترفون بأنه رب السماوات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به، (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) أي: بيده الملك فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف ... (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا لا يخفر في جواره، وليس لمن دونه أن يُجِيرَ عليه لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله تعالى: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) . أي: هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله وحده لا شريك له (قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك. ثم قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ} [المؤمنون: 90] وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: في عبادتهم مع الله غيره ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117] . فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هو فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك إتباعًا لآبائهم وأسلافهم والحيارى الجهال، ماذا قالوا؟
(1) سبق.