(أرسله) الله إلى أناس من صفتهم أنهم (يتعبدون) لهم عبادات ... (ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله) تعالى ولكن عندهم خلل في تسوية غير الخالق للخالق جل وعلا، فهم اعترفوا بأن الله تعالى خالق، وأنه رازق، وأنه محيي ومميت، وكذلك عبدوا الله، كانوا يعبدون الله، وهذا يدل كما ذكرنا في الدرس السابق أنهم أصحاب دين عندهم دين بقايا من ملة إبراهيم عليه السلام، فدل ذلك على أنهم يعرفون الله تعالى ويعرفون أن الرب سبحانه معبود وأنه يُعبد، ولكن وقع الشرك عندهم في ماذا؟ في كونهم أفردوا أو في كونهم لم يفردوا الله تعالى بالعبادات، وإنما عبدوا الله وعبدوا غيره، دعوا الله تعالى ودعوا الآلهة الأصنام، ذبحوا لله تعالى وذبحوا للأصنام، نذروا لله تعالى ونذروا للأصنام، فلم يفردوا العبادة أو يفردوا الله تعالى بالعبادة، بل سَوَّوْا بين المعبودات وبين الرب جل وعلا، ولذلك مع عباداتهم كانوا يجعلون بعض المخلوقين وسائط يعني: يتوسلون بهذه الوسائط إلى ما عند الله تعالى، وهذا سببه القياس الفاسد، وهو قياس الرب جل وعلا على ملوك الأرض، قالوا: ملوك الأرض لا يمكن أن نأخذ ما عندهم من رفع حوائجنا وقضاء ما نريد إلا بواسطة مَنْ؟ مَنْ يُظَنُّ فيهم الصلاح ومن يكون مقربًا ذا جاهٍ عندهم، قالوا: الله جل وعلا ملك الملوك وهو عظيم. فأرادوا تعظيمه جل وعلا فقاسوه على ملوك الأرض فقالوا بجامع ماذا؟ بجامع أن كلًا منهما ملك، وقالوا: إن الله تعالى لا يمكن أن نأخذ ما نريد من المغفرة والجنة وقضاء الحوائج ورفع القربات وإغاثة اللهفات إلا بواسطة من هو صالح ومقرب عنده جل وعلا، ولذلك لا يعتقدون فيمن هو على باطل وفيمن هو ذو شر عظيم لا يعتقدون فيه أنه يرفع الحوائج، وإنما يتخذون الملائكة ويتخذون الصالحين ونحوهم ولذلك قال: (يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله) عز وجل ما حجتهم؟
حجتهم قالوا: نريد التقرب إلى الله تعالى ونريد شفاعتهم عنده. فحينئذٍ تفهم من هذا أنهم يعرفون الله تعالى ويعرفون أنه رب، وأنه معبود، وأنه هو الذي يُسأل في رفع وقضاء الحوائج وتفريج القربات، ولكنهم اتخذوا هذه الأمور المعبودات وسائط بينهم وبين الله تعالى.
ومَثَّل المصنف رحمه الله تعالى بالملائكة وعيسى ابن مريم وغيرهم وسواء كانوا من المعبودات الأرضية أو المعبودات العلوية، وسواء كانت من الأرواح الطاهرة كالملائكة وعيسى والصالحين، أو كانت مما لا يعقل كالأحجار والأشجار والأنصاب ونحو ذلك، (فبعث الله) تعالى محمد - صلى الله عليه وسلم - (يجدد لهم(دينهم) دين أبيهم إبراهيم) وهذا يدل على أنهم أصحاب دين، وليسوا بأهل فترة كما قال بعض أهل العلم لماذا؟