وأثبت المصنف أنهم يشهدون ويقرون بتوحيد الربوبية وهو إفراد الله تعالى بأفعاله هو، أفعاله العامة كالخلق، والرزق، والتدبير، والتصرف في الكون، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمن، هذه كلها لله عز وجل، هل ينازعون في هذه المسألة؟ هل ينازعون في كون الله جل وعلا خالق وأن غيره يخلق معه وأن الله تعالى رازق وغيره يرزق معه؟ لا هم يقرون بأنه لا خالق إلا الله، لا يخلق إلا الله فهو متفرد بهذه الصفة، ويعتقدون أن الله هو الرازق وحده، وأن الإحياء والإماتة والنفع والضر والمنع والإعطاء والتصرف في الملكوت كله بيد الله جل وعلا، وهذه أيضًا قطعية بمعنى أنها ليست مستنبطة نصوص الكتاب والسنة، والقرآن من أوله إلى آخره ما يُذكر المشركون إلا ويُذكر ما يدل على أنهم يقرون بأن الله تعالى خالق، وشطحات الصوفية والأشاعرة هذه لا يلتفت إليها، بأنهم يجعلون الشرك في الربوبية كما أنه شرك في العبادة، ولذلك قال المصنف: (ويشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له) في الخلق (وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيها كلهم عبيده) . مُعَبَّدُون لله جل وعلا عبادة الاختيار وعبادة التسخير، لأن الكافر عبد لله جل وعلا كما أن المؤمن عبد لله تعالى، ولكن عبادة المؤمن عبادة اختيار وهي المحمودة والتي جاء مدحها في الكتاب والسنة {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] ، وأما الكافر فهو عبد بمعنى أنه مقهور لا يخرج عن قدرة الله تعالى، إذا مرض فلا يشفيه إلا الله عز وجل، وإذا طلب الولد لا يعطيه إلا الله عز وجل .. وهلم جرا.
حينئذٍ هم عَبِيد لكنهم مسخرون (وتحت تصرفه وقهره) .
ثم بين الدليل من الكتاب بأن الكفار مقرون بتوحيد الربوبية وهذا أمر قطعي من الكتاب والسنة، بمعنى أنه ليس مما ادعاه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لأن الصوفية لهم في هذا كلام.
ثم قال رحمه الله: (فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا) . الذي هو توحيد الربوبية وأنهم يعترفون بأن الخالق هو الله وحده، وأن المدبر هو الله وحده، تحققت يقال أحققت كذا أي: أثبته. إذا تحققت يقال: أحققت كذا. أي: أثبته حقًا. أو حكمت بكونه حقًّا، وإحقاق الحق كما جاء في قوله تعالى: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} [الأنفال: 8] . الإحقاق يكون على ضربين:
الأول: بإظهار الأدلة والآيات. يكون بماذا؟ بإظهار الأدلة والآيات، وهنا أحق الحق من كونهم يقرون بهذا التوحيد بالنصوص السابقة {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ} [يونس: 31] ... إلى آخر الآية، قال تعالى: ... {وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 91] . أي: حجةً قوية. ويكون إحقاق الحق هذا يكون من جهة الرب جل وعلا يكون بإتمام الشريعة وبثها في الكافر، إذًا {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} إحقاق الحق له ضربان طريقان:
الأول: إظهار الأدلة والآيات.
والثاني: إكمال الشريعة وبثها في الكافة.