فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 113

تهرول بين الصفا والمروة، جبلين تنظر من أعلاهما هل من بشر، وعند الشوط السابع جاءت الكرامة من الله (خير حافظا وهو أرحم الراحمين) وإذا بجبريل قد ضرب الأرض بجناحه، فإذا بالماء ينبع من تحت قدم إسماعيل فجأة، فإذا بأمه تزمّه زمًّا فسمي بزمزم، وكان ميزة زمزم أنه كما قال -صلى الله عليه وسلم-:"زمزم لما شرب له" [رواه أحمد] ، فمن شربه مريضًا شفاه الله، ومن شربه جائعا أشبعه الله، ومن شربه ظامئًا أرواه الله، وكان هذا الابتلاء لإبراهيم مع ابنه في الصغر، وعندما كبر إسماعيل وبلغ معه السعي وكان تعلق إبراهيم به أكبر، أراد الله أن يتخذ إبراهيم خليلا، والخلة هي أعلا مقامات المحبة، وهذه المحبة لن يصل إليها أحد حتى يخلوا قلبه من كل أحد إلا الله، ولم يصل إلى هذا المقام سوى اثنان من العالمين إبراهيم -عليه السلام- وابنه محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى عن إبراهيم: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" [رواه مسلم] ، فكان الابتلاء لإسماعيل من أبيه -عليهما السلام- هو الذبح، وبيده، كما قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُو الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ *} [الصافات] .

لقد تربّ إسماعيل -عليه السلام- في حجر أمه المؤمنة هاجر -عليها السلام-، وكما تربّت هي في بيت زوجها إبراهيم على التوحيد، فكان لذا وذاك أثرا إيجابي، ظهر في سلوك إسماعيل {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} ، وقام الخليل بعدما أسلما لأمر الله؛ طرحه على الأرض لينفذ فيه ابتلاء الله له؛ فسلب الله من السكين صفت القطع، فلم تقطع، وفدى الله إسماعيل بكبش من السماء تكريما له وسُنّة لمن بعده يتقرب بها إلى الله تعالى كل سنّة.

روى الإمام البخاري في صحيحه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (أن إبراهيم عليه السلام جاء بأم إسماعيل وابنها إسماعيل -عليه السلام-، وهي ترضعه، فوضعها عند البيت، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفا منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، وقالت: يا إبراهيم؛ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء، قالت ذلك ثلاث مرات، وجعل لا يلتفت، فقالت له: الله آمرك بهذا، قال: نعم، قالت: نعم إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت، وانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند البيت استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يده وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم] ، فجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب مرّة من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجاع، وجعلت تنظر إليه يلتوي، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها وسعت سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"فذلك سعي الناس بينهما".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت