لاَ تُكَلَّفُ إِلاٌ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ
(10 ربيع الأول 1433 هـ)
بسم الله، والحمد الله، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف بين يدي الساعة وعلى آله وأصحابه ومن والاه، وبعد؛
فلقد رسم الواقعُ في هذا العقد من الزمن خريطةً جديدةً لدولة الإسلام وبأبعاد إمبراطورية بعد أكثر من قرن على غيابها عن واقع الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، الذي كان بتحالفه سببًا في تمزق وتفكك دولة الإسلام وخلافتها قرنًا من الزمن ويزيد، ولكن الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله على أمة نبي الرحمة والملحمة صلى الله وعليه وسلم حفظ له أمته فلا تباد ولا تفنى بأكملها ولا تنتهي رسالتها إلى قيام الساعة، ولو اجتمع عليها من بأقطارها، ولكن تضعف وتُمزق في ظاهرها، ويتسلط عليها أعداؤها من الكفار والمنافقين من بني جلدتها، ولكن لا ولن يظهروا على هذه الأمة المحمدية، فلقد وعد الله سبحانه الكبير العظيم كما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ رَبِّي زَوَى لِي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِي لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَلاَ أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَلاَ أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا -أَوْ قَالَ بِأَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلاَثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِي وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لاَ نَبِي بَعْدِي، وَلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ"، قَالَ ابْنُ عِيسَى"ظَاهِرِينَ"، ثُمَّ اتَّفَقَا"لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ" [رواه أبو داود] .
وإن لم يكن للأمة جيوشًا تجيش لتحميها، وأرضًا تنصب عليها رايتها، ولكن يكفي بهذا الدين العزيز أن يقوم منه ثلة قليلة في عصابة تخرج من بين المسلمين، وتكون هذه الطائفة هي الظاهرة القاهرة على عدوها، قهرًا يعجزهم ويرهبهم، ولكن لا يوقفهم في حربهم وعدائهم المتواصل والمستمر والمتغير في أسلوبه وأدواته ضد الإسلام وأهله، يقول الحق سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة] ، وهم في حقيقة الأمر يقاتلون وصدورهم هلعة خائفة فيها من الرهبة أشدها، هم ومناصروهم من المنافقين، كما وصف لنا ربنا سبحانه: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الحشر] .
وكل ذي لب وعقل يرى أن الواقع اليوم أصبح فيه قوتان وقطبان هما: القاعدة وحلفاؤها؛ التي هي قوة ظاهرة خفية، والثاني أمريكا وحلفاؤها، وهذه القوتان بدأت تتمايز في التأثير على الواقع وصنع الحدث، حتى صار للقاعدة الظهور الأكثر على مسرح الأحداث، فمن تخوم الصين تركستان وأوزبكستان وطاجاكستان إلى القوقاز والأفغان، ومن أندونيسيا إلى الفلبين، ومن العراق إلى اليمن، ومن الصومال إلى نيجيريا، ومن سيناء إلى فلسطين