الحمد لله رب العالمين، رب المستضعفين وقاصم الجبارين، معز المجاهدين وناصرهم ومذل الكافرين وهازمهم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين بالسيف حتى يُعبد الله وحده، القائل:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
فمن قلب الثغور ومن حمأة وطيسها، يرسل إلينا واحدٌ من أهلها ومن الذين خبروها وخرجوا في سبيل الله ابتغاء مرضاته ونصرة لدينه وذبًّا عن أمته، يرسل إلينا بعضًا من نسائم الجهاد ممزوجة بغبار المعارك وأزيز الرصاص والمدافع، وشتان شتان بين كلمات تخرج من أفواه رجال وسط الثغور ورائحة الموت وألوان الجرح والقرح وبين من يتحدث من على المنابر آمنًا في سربه غارقًا في قعوده مثقلًا بذنوبه بعيدًا عن كل تلك الصور سالفة الذكر، لا شك أن هناك اختلافًا في الطعم واللون والرائحة، كما سيكون هناك اختلاف في التأثير على نفوس السامعين وقلوبهم، فليس من عمِلَ وجرَّبَ كمن اكتفى بالسماع أو المشاهدة فقط، فلا شك أن للأول قدم السبق في خلق الحدث وفقهه والإحاطة به من جميع جوانبه، وبالتالي فإن نصائحه وتوجيهاته تكون أبلغ أثرًا وأنفع للسامع ممن اكتفى فقط بمشاهدة الحدث أو السماع به دون أن يكون له نصيب ولو يسير في المشاركة فيه، فهذا بالأحرى ستكون لتوجيهاته صدى محدود وقبول مردود من السامع والمتتبع.
من هنا تظهر وتبرز أهمية هذه المقالات التي كتبها صاحبها من خضم الصراع وأتون المعارك وضغط الحصار ومن رحم التجارب والحركة والفداء لهذا الدين، مما يضفي عليها لونًا متميزًا وطعمًا فريدًا سيُمتع القارئ وسيدفعه إلى تجسيد وتنفيذ تلكم الوصايا والتوجيهات قدر الإمكان لأنها جاءت من خبير محنك، ومجرب محب، منتهى غايته أن ينقل التجارب الناجحة لبني أمته كي ينهضوا ويقوموا بواجباتهم تجاه دينهم المحارب المهمش وأمتهم المكلومة المظلومة.
أمتنا اليوم مطالبة بالتواجد قريبًا من الحدث، بل إننا نطالب ونتمنى أن تكون عنصرًا فاعلًا فيه كما كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، واستحقوا بذلك لقب خير القرون. ولدينا كل المقومات اللازمة لنعيد تلك الفترة ونجدد تلك المعالم في النفوس لكي نتقدم بديننا ونؤدي واجباتنا تجاه هذا الدين وتجاه هذه الأمة وتجاه العالمين، فعالمية الرسالة تحتم علينا هذا الأمر، وتدفعنا في هذا الاتجاه إن كنا حقًّا مؤمنين، وحقًّا ندعي أننا ننتمي لخير أمة أخرجت للناس.
لا معنى ولا خير في أمة تتفرج على مآسيها، وتفتح الأبواب لأعدائها لكي يعيثوا في أرضنا وأبنائنا ونسائنا الفساد، إننا أمة العزة والإباء والجهاد، أمة تهاب منها كل الأمم، نُصرتْ بالرعب مسيرة شهر، وتحتاج إلى جهد بسيط لتختم الشوط الأخير من المعركة بالنصر والفتح المبين.