فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 113

رسالةٌ لجيل التَّمكين في أرض الحرمين 2

(13 صفر 1433 هـ)

الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛

فلقد مرّ إبراهيم -عليه السلام- بابتلاءين عظيمين في نفسه, وفي عرضه، كما ذكرنا في المقال الأول.

ثم تواصل الابتلاء عليه، وبعد أن أخذت سارة الجارية هاجر، وهبتها لإبراهيم بعد فترة من الزمن، وحينها لم تكن سارة تنجب، فأخذها إبراهيم واستبضعها؛ فأنجبت له إسماعيل -عليه السلام-، ففرح به إبراهيم فرحًا شديدًا، ولكن بطبيعة الغيرة عند النساء، غارة سارة من جاريتها ومن ابنها، فأمر الله سبحانه إبراهيم أن يهاجر هو وزوجه هاجر ومعها ابنها إسماعيل، فهاجر من البيت ومن البلد كلّه إلى وادٍ غير ذي زرع بمكة، لا فيه شجر، ولا بشر، ولا ماء، فذهب بها وبابنها، وعندما وصل إلى ذلك الوادي تركهما، ووضع عندهما قربة ماء، وجراب فيه شيء من التمر، ثم انصرف فجاءته بقلب الأم التي ترى مصيرها ومصير فلذة كبدها الموت، تقول له: يا إبراهيم لمن تتركنا، فلا يرد عليها، فتكرر السؤال ولا تسمع جوابا، وهي تعلم يقينًا أن إبراهيم لم يخرجها إلى هذا المكان من أجل زوجته التي غارت منها، فأخلاق إبراهيم التي عرفتها منه، ودينه الذي آمنت به لا يجعله يفكر أو يهمّ بمثل هذا، ولكن الأمر أعظم من ذلك، وعندما كررت عليه الثالثة، قالت: الله آمرك، قال: نعم، قالت عندما علمت أن إبراهيم مأمور من ربه، قالت كلمة عظيمة يجب أن تفقهها كل امرأة عاقلة تؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا؛ وهو قولها (إذا لا يضيعنا) ، وهذا هو حقيقة التعلق بالله وبالإيمان به أنه هو الرزاق والحافظ والعون سبحانه وليس الزوج، فإذا فقهت المرأة المسلمة هذه المسألة العظيمة كانت هي العون لزوجها بعد الله سبحانه وتعالى في فعل الخيرات.

فالذي جعل هاجر تصل إلى هذا الإيمان العميق والفهم السليم؛ هو توفيق الله لها بسبب ما تربّتْ عليه في بيت النبوّة بيت إبراهيم -عليه السلام- لا ما تربّتْ عليه في قصر الطاغوت، فكلما كان البيت محفوفًا بالإيمان وكان الرجل متمسكًا بالدين؛ كان أهله أقرب إلى عونه بعد الله في حمل تكاليف هذا الدين، وهذا ما يحتاجه كثير من الرجال في هذا الزمان، نساء كهاجر -عليها السلام- لا تثبّطه عن أوامر الله وخاصةً الجهاد في سبيل الله، بل تزيده إيمانا وطمأنينة، كما هو صنيع هاجر مع إبراهيم بقولها: (إذا لا يضيعنا) .

وللقارئ أن يتأمّل كيف كان حال إبراهيم عندما طُلب منه أن ينفذ الأمر الإلهي، بإخراج ابنه وأم ابنه ووضعهما في مكانٍ الغالب عليه الهلكه، فهل تباطأ؟، أو تأوّل؟، أو ذهب يطلب الأعذار الشرعية؟، أو رجّح عاطفة الأبوّة التي كان يتمناها؟، لا؛ بل استجاب لأمر الله الذي قدر الأقدار على جميع خلقه، ولم يُثنه حبّ النساء، ولا حب الأبناء.

وعندما انقاد إبراهيم لأمر الله؛ أكرمه الله وأكرم ابنه وأم ابنه في تلك القفار الخاوية، فقد تركهما هناك ونفد عليهما التمر والماء، وجفّ على هاجر حليبها، وذهبت تبذل السبب في إيجاد الماء والطعام؛ لتسكت جوع ابنها، وكانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت