فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 113

-وأنفق الكريمة: أي النفيسة الجيّدة من كلّ شيء خاص به فينفقه في سبيل الله، ولا يتعلّق قلبه في شيء من الدنيا، فإن الله قد وعده بخير منها جنّة عرضها السّماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا من باب التربية العظيمة للنفس، والارتقاء بها إلى مكارم الأخلاق، وقد قال سبحانه وتعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} .

-وياسر الشّريك: أي من المياسرة بمعنى المساهلة؛ أي ساهل الرفيق وعامله باليسر، فأصل الجهاد هو الجهد والمشقة، فلا يحتاج الزيادة بين المجاهدين بأن يشقّوا على بعضهم بعضًا، وقد بيَّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله:"اللهم من ولي من أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به ومن شقّ عليهم فشقّ عليه"رواه أحمد في المسند.

-واجتنب الفساد في الأرض: أي كلّ ما هو فساد يجتنبه ويبتعد عنه، ومن أعظم الفساد البغي بغير الحقّ، وظلم الناس، ومن أشرّها في الجهاد الغيبة والنميمة، والتعدي على حقوق النّاس، والغلول من الغنيمة.

-فإن نومه ونبهه أجرٌ كلّه: أي هو على خير في حال نومه وفي حال يقظته ما دام غازيًا في سبيل الله؛ لأن كلّ حركة وسكون منه من حين يخرج إلى أن يرجع خير، فكله له أجر، وهذا يدلّ على عظم ثواب من خرج في سبيل الله يريد بذلك وجه الله، ويريد بذلك إعلاء كلمة الله، ولم يكن همّه الدّنيا وحطامها.

-وأما الغزو الثّاني الذي لا يحبّه الله: وقد لا يقبله سبحانه ولن يرجع صاحبه بالكفاف: أي لم يرجع لا عليه ولا له من ثواب تلك الغزوة وعقابها، بل يرجع وقد لزمه الإثم؛ لأن الطاعات إذا لم تقع بصلاح سريرة انقلبت معاصي والعاصي آثم، بل قد يخرج الغازي من بيته ومعه من الأجور كالجبال ولا يرجع منها بشيء؛ فقد اغتاب هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وآذى فلان، وغلّ، وعصى الأمير، نسأل الله العافية والسلامة.

ونختم بنصائح علَّ الله أن ينفعني بها ومن قرأها من المسلمين:

أولًا: إن تقوى الله رأس كلّ خير، منها البركة في كلّ عمل، وبها يفتح الله على العبد بالعلم والحكمة.

ثانيًا: إن مكارم الأخلاق صفات مكتسبة، يصل لها المسلم بالعلم والعمل، والتّربيّة عليها تكون من قناعة النّفس بأهميّتها وضرورة التّعامل بها في كلّ أحوال المسلم.

ثالثًا: إن المجاهد في سبيل الله قد ارتقى إلى منزلة عالية؛ كما قال صلّى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:"... أَوَلا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؛ أما رأس الأمر فالإسلام فمن أسلم سلم، وأما عموده فالصّلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد في سبيل الله ... الحديث" [رواه الإمام أحمد] .

فكل الناس ينظرون إلى المجاهد بهذه الصورة، ويُرى في المجاهدين صورة أبي بكر الصّديق وعمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب وخالد بن الوليد رضي الله عنهم أجمعين، وأيّ خطأ مهما صغر فهو في عيون النّاس كبير، وفي عيون الأنصار عظيم، لما للجهاد من شأن ورفعة، وحديث الثّلاثة الذين تسعَّر بهم النار يبين رفعة المجاهد في الدنيا، قال صلّى الله عليه وسلم:"إن أوّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت