كان رصيف الميناء قد خرج من حالة ركود الحرب العالمية الأولى، إذ أصبح مزدحمة بالبواخر التي تخفق فوق أعمدتها رايات مختلف الدول الأجنبية ... وكان أكثر ما يلفت النظر هو انتشار السفن الحربية للعدو اعتبارا من بشکتاش حتى اقيز قولس» ... كانت مدافعها كأنها أعلاق أسطورية فاغرة الأفواه متهيئة لمص دماء اسطنبول مبتدئة من جوامعها وقصورها.
في هذا الجو كم كانت باندرمة» تبدو مسكينة! ... كان الدخان الأسود يتصاعد من مدخنتها الصفراء الموجود عليها شعار الهلال والنجمة ... إذن فقد كانت هذه الباخرة الصغيرة المسكينة على وشك الإقلاع >
ولكي لا ندع للخيال وللتصوير الأدبي أي مجال فإننا نترك الكلام مصطفي کمال:
اکانت الباخرة"باندرمة» متهيئة على رصيف اكلتة» ... هذا ما أخبرونا به ... وقيل بأن أعضاء هيئة قيادتنا سيكونون مجتمعين على الرصيف في ساعة معينة ... كانت السيارة أمام البيت وكنت قد انتهيت من التوديع في البيت ... في هذه الأثناء جاءني أحد أصدقائي"
رؤوف أورباي» حيث نقلني إلى محل عمل وقال بأنه يعتقد حسب الأخبار التي وصلت إليه - أنه إما أنهم سيمانعون في سفري أو أنهم سيغرقون الباخرة في البحر الأسود ... أحسست كأن صاعقة نزلت علي، ثم جاءني أحد الأشخاص الذي عمل معي بعد ذلك مدة طويلة كأحد أركان الحرب - وقال في بأنه سمع الشيء نفسه من أحد أصهار السلطان الذي يعمل في معيته. انفردت إلى نفسي لبعض الوقت وفكرت: إنني في يد الأعداء في هذه اللحظة، ألا يستطيعون أن يفعلوا بي ما يشاؤون؟ - هذا ما خطر ببالي في لحظة خاطفة ... يستطيعون أن يقبضوا على ويستطيعون أن يتفوني ... ولكن لكي يستطيعوا قتلي فإنهم يحتاجون أن يقبضوا علي وأنا فوق الأمواج الثائرة للبحر الأسود ... كان هذا احتمالا منطقية، ولكني كنت قد أصبحت في وضع تساوى فيه معي السجن والنفي و الحيلولة دون تحقيق ما أصبو إليه مع الموت. لذلك أعطيت قراري على الفور وركبت السيارة وذهبت إلى رصيف كالتة.