تقدمت الآية المشيرة إلى أن معنى الحجاب هو أن تحتجب المرأة أو الرجل بجسده، وأن هذا يطلق عليه حجابًا وإن لم يكن مماسًا، فالحجاب كما جاء عن غير واحد من العلماء من أهل العربية كأبي عبيدة وغيره هو ما استتر به الإنسان سواء كان لباسًا من خمار أو جلباب، أو غير ذلك مما يستتر به الرجل، أو المرأة فإنه يسمى حجابًا، وبهذا يعلم أن الله سبحانه وتعالى إذا أمر بالحجاب، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يحمل على هذا المعنى العام، ولهذا حينما يأمر الله عز وجل النساء على وجه العموم، وخاصة أمهات المؤمنين عليهن رضوان الله تعالى بالاحتجاب، فإنه يأمرهن من جهة الأصل بعدم الخروج إلا لحاجة، وما كان لحاجة فإنهن يخرجن مع التقيد باللباس والحشمة، ولما كان كذلك على هذا المعنى، وجهل كثير من أهل العصر هذا المعنى، ظنوا أن الحجاب المراد به التستر فحسب، وظنوا أن المرأة إذا كانت متسترة جاز لها أن تخرج متى شاءت لحاجة أو لغير حاجة، لضرورة أو لغير ضرورة، وجاز لها مخالطة الرجال، فيقولون: إذا خرجت متحجبة متسترة، فلا ضير في ذلك. وهذا معارض لما ثبت من جهة الأصل أن الله سبحانه وتعالى أمر النساء بأن يقرن في البيوت، وألا يخرجن إلا لحاجة، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] .
وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن التبرج وخروج المرأة لإبداء زينتها من جهة الأصل من عادة الجاهلية الأولى، فقال جل وعلا: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] فهذا دليل على أن ثمة جاهلية، وأن أشد هذه الجاهليات هي الجاهلية الأولى التي فيها ابتذال النساء.