ومما يستدل به من قال بهذا القول ما جاء في الصحيح من حديث جرير: (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النظرة إلا نظر الفجأة) وكذلك قوله سبحانه وتعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31] ، وقوله جل وعلا: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] ، قالوا: فلما أمر الله عز وجل المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم دل ذلك على أن النساء كاشفات وجوبًا، وإلا لو كن مستترات لما كان ثمة أمر، لكن يقال: إن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم حال رؤية العورات على وجه العموم، سواءً كانت عورات الرجال أو عورات النساء، وكذلك أن يحفظوا فروجهم على الإطلاق، سواء تمكن الإنسان من المنكر أم لم يتمكن، ومع وجود المنكر واضطرار وقوعه في أحوال الناس، فإن الناس ليسوا على السواء، ولو قيل: بأن الله عز وجل قد أمر النساء بالاحتجاب، ثم أمر الرجال بإطلاق البصر مع تيقن وجود المخالف من النساء والرجال على مر العصور، لما كانت الشريعة حينئذٍ كاملة، ولهذا فقد روى البخاري من حديث سعيد بن أبي الحسن عن الحسن البصري أنه سئل قال: إن نساء العجم يكشفن وجوههن وصدورهن وشعورهن، فقال: اغضض بصرك، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] ، مما يدل على أن ذلك يقع وينصرف على وجه العموم إلى النساء المقصرات في هذا الباب، وكذلك نساء المشركين، فإن المؤمنين مخاطبون بأن يغضوا أبصارهم وألا يطلقوها على العورات على وجه العموم، سواءً كان ذلك مما يتعلق بالنساء أو بالرجال.