أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة ببيان المحجة، وبيان السبيل ووضوح الطريق، وكلما كانت الأمة أوضح طريقًا كانت عند الله عز وجل أحظى وأقرب، وكلما بعدت من جهة سلوك السبيل فهذا أمارة على عدم وضوح سبيلها، والله جل وعلا قد جعل الناس على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والمراد بذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل كرامة هذه الأمة لها أثر على عاقبتها، والمراد بذلك أن وضوح السبيل الذي جعله الله عز وجل في كتابه العظيم، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتضح أثره في أفعال الأتباع والمنقادين لهديه عليه الصلاة والسلام، ويتضح أثره أيضًا بالعاقبة التي جعلها الله جل وعلا في الجنة لمن انقاد واتبع، ولهذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر الأمم، وذلك ما كان ليكون إلا لأن هذا السبيل أوضح السبل، ولكن ينبغي أن نعلم أن المخاطب إذا وضح له السبيل، واتضحت له الحجة والبينة فإن العقاب عليه إذا خالف أعظم وأشد، وهذا يعلم بالعقل، ويعلم بالنقل، وذلك أن الإنسان إذا خاطب أحدًا ووضح له العبارة وأعاد عليه الحجة، وكررها عليه، وهو حاضر الذهن فإن عقابه إذا خالف أعظم من عقاب غيره ممن يتكلم معه بكلام مجمل، أو أتاه عبارة واحدة من غير يقظة وانتباه، وهذا أمر معلوم. ولهذا ينبغي أن نعلم كما أن الأمة مرحومة بكثرة دخولها في الجنة، فليعلم أن هذه الأمة من خالف أمر الله سبحانه وتعالى فيها، فإنه أسوأ حالًا ممن يخالف أمر الله جل وعلا من الأمم السابقة كبني إسرائيل وغيرهم، ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يلتمس مواضع الحجة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتضح له السبيل، ويسلم له الطريق، وتحسن له العاقبة، فإذا كان كذلك كان من أهل النجاة والفوز والتمكين في الأرض، وكذلك الثواب العظيم عند الله سبحانه وتعالى.