الكفر في ذاته قد يتلبس به الإنسان، ولا يتلبس الإنسان غالبًا بالكفر إلا وهو متأول؛ لأن غالب الناس لا يريدون الكفر بذاته إلا المعاندون، ومن الناس من يعاند يعرف الحق بذاته ولكنه يعاند لكبر في نفسه وعناد، فهو يسول لنفسه حججًا بعد أن استقر في قلبه حب الباطل، وكذلك كراهية الحق، فكانت الحجة لتقرير الباطل تابعة للتقرير، وليست ناشئة عنه، وهذا مما وقع فيه كثير من المشركين كبني إسرائيل ممن كفر بموسى، كما في قول الله جل وعلا: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] ، وكذلك أيضًا من كفار قريش (فإنهم لا يكذبونك) ، لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هؤلاء بآيات الله يجحدون في ظاهر الأمر، ولكن من جهة الحقيقة يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم. لهذا نقول: في موقف الإنسان من الفتنة أمر الكفر، وكذلك قلب المعاني بالنسبة للكفر أمر الله عز وجل بإزالة الكفر للناس، كما في قول الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] . كذلك أيضًا من وجوه درء تلك الفتنة هي المقاتلة وهو الجهاد في سبيل الله، كما قال الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] ، أمر الله عز وجل بمقاتلة المشركين؛ حتى لا تكون فتنة في الدين، فسمى الفتنة هي الكفر، وجعل ذلك القتال هو قتال في سبيله سبحانه وتعالى.
أما المعنى الآخر وهو قلب المعاني والحقائق في الدين تسمية الخير بالباطل، والباطل بالخير، وكثير من المعاني كما في زمننا، ظهر تلبيس كثير من الناس يسمون الحلال بالحرام، والحرام بالحلال، وظهر التمسك بأقوال شاذة كثيرة جدًا تظهر بين فينة وأخرى، وتشريعات باطلة قد استقر عليها الإجماع وهذا من أعظم الفتن.