وإدراك مقاصد الله جل وعلا في كتابه العظيم في مراده في الفتنة، وكذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد الإنسان في التعامل معها، ولهذا نقول دائمًا: إن الإنسان إذا أراد أن يحسن التعامل مع شيء فليعرف حقيقته، فإنه إن جهل حقيقته فإنه يسيء التعامل معها، وبقدر جهله لتلك الحقيقة يجهل الإنسان التعامل معه، ولهذا قيم الأشياء تتباين، سواءً كانت جواهر أو ذوات، أو كانت من المعاني مما لا جسم له ولا جرم، الإنسان إذا جهل القيمة لا يحسن أن يتعامل معها، ولهذا قد جاء في السنن، وكذلك أخرجه مسلم في المقدمة في حديث عائشة لما جاء رجل إلى عائشة عليها رضوان الله تعالى له هيئة فأجلسته وأعطته، فلما جاء رجل آخر، فأعطته كسرة، فقيل لها في ذلك، فقالت عائشة عليها رضوان الله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم. هذا الإنزال ما كان ليكون من عائشة إلا وقد عرفت حقائق الناس، ولهذا ينبغي أن نعلم أن الحقائق التي تكون في الذوات يتفرع عنها أشياء كثيرة متعدية في ذات الحقيقة التي كانت في ذلك الشيء، أو ردود الفعل في تعامل الناس مع تلك الحقيقة، لهذا ينبغي للإنسان أن يعرف مواضع الإطلاق في كلام الله جل وعلا، ومواضع التخصيص كذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الفتنة في كلام الله جل وعلا لا تخرج عن المعنى اللغوي، فكل شيء كما تقدم أحدث اختبارًا وابتلاءً في الإنسان، وجعله يضطرب، وتتغير حاله ظاهرًا وباطنًا فهذا نوع من الفتنة، ولهذا يفتن الذهب بوضعه على النار حتى يصاغ، وكذلك أيضًا إذا صيغ بعد ذلك فإنه يفتن، وربما تغيره أيضًا من سائل إلى جماد يسمى فتنة؛ لأن هذا نوع من تغير الجوهر من حالة إلى حالة وصورة إلى أخرى.