كثير من الناس أو أكثر العامة يظنون أن الفتنة هي القتل أو الهرج، أو القيل والقال ونحو ذلك، وهذا نوع من فهم بعض وجوه الحقيقة، وجهل أيضًا لبعض وجوهها الأخرى، لهذا هذا الجهل قد يؤدي بالإنسان إلى شيء من المعاني الخاطئة، وقد أخرج البخاري في كتابه الصحيح من حديث سعيد بن جبير، قال: سأل رجل عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى عن قتال الفتنة، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل الناس على الكفر، وكان دخولهم في الكفر واتباعهم للكفار فتنة، ليس كقتالكم على الملك، ولهذا لما فهم ذلك السائل من عبد الله بن عمر في قول الله جل وعلا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] قال: كيف يكون القتال، والقتال هو الفتنة؟ فكيف نقاتلهم حتى لا تكون فتنة وقد وقعت الفتنة في ابتداء الأمر؟ فبين له عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى أن مراد الله عز وجل بذلك هو الكفر، وأن دخولهم في ملة الكفار هو الفتنة بحقيقتها، لهذا قدم نوعًا من أنواع الفتنة على النوع الآخر، وجعل النوع الآخر لا يكون فتنة في مثل هذا الموضع، ولهذا نقول: إن الفتنة العظمى تلغي الفتنة الدنيا، وتجعلها في سبيل محو الفتنة العظمى أمرًا محمودًا، لهذا إذا فهم الإنسان مراد الله عز وجل بالفتنة ومواضعها في كلام الله جل وعلا أدرك الحقيقة.