الصفحة 29 من 39

تفسير قوله تعالى:(ومن شر غاسق إذا وقب)

قوله: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3] ، الغاسق قيل: هو القمر، وقيل: هو جميع الكواكب والأفلاك، وقيل: هو الأجرام الظاهرة التي يعرف فيها الزمن سواء كان ذلك القمر، أو كان ذلك الشمس، وفي ظهوره وخفائه، وفي هذا أيضًا قرينة على أن السحر غالبًا ما يكون مربوطًا بزمن، أو مقيدًا بسبب، فالله سبحانه وتعالى ربط هذه الأشياء به سبحانه وتعالى من جهة إيجاد الشر, ومن جهة إيجاد الزمن، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يوجد الزمن ابتداءً وانتهاءً، والله جل وعلا رب الفلق، ورب الغاسق إذا وقب. والله سبحانه وتعالى أيضًا هو الذي خلق هذه الكائنات وأوجد شرها من شر ما خلق؛ ولهذا نقول: إن الإنسان لا ينسب إيجاد الشر إلى الله سبحانه وتعالى إلا إذا أراد الاستعاذة منه، أو قرنه بالخير، أو أضمر الفاعل؛ ولهذا نقول: ليس من الأدب أن الإنسان ينسب الشر لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا الجن تأدبت مع الله عز وجل كما في سورة الجن: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10] ، لما ذكروا الرشد والخير قالوا: أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ [الجن:10] ذكروا أن الذي أراد هو الله وهو الرب سبحانه وتعالى، ولما ذكروا الشر قالوا: لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ [الجن:10] حذفوا الفاعل من باب الأدب مع الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا الله جل وعلا لا يريد بعباده شرًا، ما خلق العباد لينزل عليهم الشر، ولكن يتسببون بوجود الشر وجره إليه، ولو صلحت أحوالهم كما أمر الله سبحانه وتعالى لانتظم أمر الحياة لديهم من غير أذية ولا شرك، كما تنتظم الكواكب في سيرها منذ أن خلقها الله سبحانه وتعالى إلى قيام الساعة لا يصطدم بعضها ببعض، لماذا؟ لأنه ليس لها مشيئة تخرجها عن أمر الله سبحانه وتعالى، فكانت تسير وفق نظام أمر الله عز وجل الكوني ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت