والسورة الثالثة هي سورة الناس، وهي سورة مدنية أيضًا على الأشهر، وقيل: إنها مكية، والصواب أنها مدنية، وهذا الذي عليه جماهير المفسرين، وهي إنما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1 - 6] .
تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس)
و (أعوذ برب الناس) أي: ألتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، وأستعيذ به سبحانه وتعالى، وإنما ذكر رب الناس: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1] أي: أن الإنسان يوجل منهم أكثر من غيره، وأذية الناس لبعضهم أعظم من أذية غيرهم لهم، فالكواكب والأفلاك والبهائم لا تؤذي الإنسان كما يؤذي الإنسان نفسه، والإنسان يخاف من عدوان أبناء جنسه أكثر من عدوان غيره؛ ولهذا ذكر هنا ربوبية الله عز وجل للناس كأنه يبين أن الذين تخاف منهم فالله عز وجل ربهم, وهو الذي يدبرهم، وهو الذي جعل فيهم خصائص العدوان، وجعل فيهم خصائص الرحمة، فهو ربهم سبحانه وتعالى فالتجئ إليه ولا تلتجئ إليهم.
تفسير قوله تعالى: (ملك الناس)
وقوله: (( مَلِكِ النَّاسِ ) )، أي: المالك لهم والمدبر لشئونهم، والمتصرف بهم؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إنما أرجع الشيء لأصله؛ حتى يرجع الإنسان إلى الأصل ويدع الفرع، فلا يتعلق بالناس بقلبه، ولا يخاف أحدًا إلا الله، ولا يرجو إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: (( إِلَهِ النَّاسِ ) ).