وعلى ذلك لا تجوز الشهادة بالسماع، أي لا يجوز أن يشهد الشاهد بقوله سمعت من الناس، أو سمعت الناس يقولون أو ما شاكل ذلك. إلا أنه قد استثني من شهادة السماع تسعة مواضع تجوز فيها الشهادة بالسماع وهي: النكاح، والنسب، والموت، والقضاء، وهذه الأربعة لا خلاف في قبول الشهادة فيها بالسماع. والمهر، والدخول بزوجته، والعتق، والولاء، والوقف، وهذه فيها خلاف. غير أن الراجح أن هذه المواضع التسعة تجوز فيها الشهادة بالسماع، وهذا ليس من قبيل الشهادة على الشهادة أي شهد بناء على شهادة غيره، بل هو من قبيل الشهادة بما يعلم، فسماعه من الناس أن فلانًا مات سماعًا جعل عنده اليقين بموته، وأن فلانًا هو القاضي، أو ما شاكل ذلك، فإنه شهادة عن يقين، إذ لتكرار ذلك واستفاضته صار حقيقة يقينية عنده فتكون شهادته عن علم. ولكن لا يقول للقاضي أنه شهد بناء على السماع إذ لو قال ذلك لا تقبل شهادته، بل يشهد بالأمر كما لو شاهده. إذ لا يجوز للقاضي أن يقبل الشهادة بناء على السماع. فإن السماع في هذه المواضع التسعة إنما هو لجواز أن يشهد الشاهد فقط، يعني أن من طرق العلم بما يشهد عليه السماع في هذه الأمور التسعة فقط، وما عداها لا يصح، لأن واقع هذه الأمور التسعة لا يحصل التسامع بها إلا إذا كانت يقينية ومشتهرة وما عداها لا ينطبق عليه هذا الواقع.
ومن ذلك كله يتبين معنى كون الشهادة إخبار صدق، ويتبين أنها حقيقة إخبار صدق، فهي إخبار صادق صدقًا يقينيًا. وأما أنها لإثبات حق فلأن البينة إنما شرعت لإظهار الحق، وبناء عليه لا تقبل الشهادة بالنفي الصرف. فشهادة النفي غير مقبولة، لمناقضتها لتعريف الشهادة. إلا أن النفي المؤول بإثبات فإنها تجوز الشهادة به لأنها حينئذ لا تكون شهادة بالنفي بل شهادة في الإثبات، ولهذا قالوا بعدم جواز الشهادة بالنفي الصرف ولم يقولوا بالنفي فقط، لأن النفي المؤول بإثبات تجوز الشهادة به.