وقد استثنى الشارع من الوصية حالة السفر فقط فأجاز في هذه الحالة شهادة غير المسلم في الوصية فقال تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} أي إذا ضربتم في الأرض أي سافرتم ونزلت بكم أسباب الموت ومقدماته فآخران من غيركم. فالآية قد اشترطت في الوصية شاهدين مسلمين وعطفت على ذلك حالة خاصة من حالات الوصية فأجازت فيها شهادة غير المسلمين ألا وهي حالة السفر، فكأنها استثنت حالة السفر من حالات الوصية. لأن (إن) شرطية وهي تفيد الاشتراط، وهي متعلقة بقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} والمعنى هو: الشهادة المشروعة بينكم حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم، وإن أنتم ضربتم في الأرض فآخران من غيركم. والدليل على أن هذا هو معنى الآية، أن شهادة المسلم في الوصية جائزة في السفر وفي غير السفر فلا معنى لتعلق قوله: {إِنْ أَنْتُمْ} بقول: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} إذ لا محل لذلك ولا لزوم لذكر حالة السفر بالنسبة لشهادة المسلمين، فيكون إذن قوله: {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} متعلقًا فقط بقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وليس بقوله: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ويكون وضع الآية هكذا: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} وبهذا يظهر أن قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} دليل على جواز شهادة غير المسلم في الوصية في حال السفر، فهو دليل على حالة واحدة من حالات موضوع معين، وليس دليلًا على جواز شهادة غير المسلم مطلقًا. ولا يقال أنها دليل على جواز شهادة غير المسلم في الأمور المالية، لأن مثل هذا القول يخالف نص الآية ومدلولها، فنص الآية حالة خاصة في موضوع خاص، هو الوصية في حالة السفر، ومدلولها وهو الوصية في السفر تصرف من التصرفات وليس حقًا من الحقوق المالية، فهو ليس كالدّين