الصفحة 3 من 68

غير أن كون البينات مبنية على العلم أي اليقين لا يعني أن الحكم بها مبني على اليقين، ولا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، وإنما يعني فقط ذاتها، أي أنها هي لا يصح أن تكون إلا يقينية. أما الحكم بها فليس كذلك. وذلك لأن الحكم مبني على غلبة الظن لا على اليقين، لأن الله يقول للرسول: {فاحْكُمَ بَيْنَهم بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} أي بما تراه من الرأي، وهو يشمل الرأي الصادر عن يقين والرأي الصادر عن الظن، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد حكم في قضية وقال ما يدل على أن حكمه كان بناء على غلبة الظن، عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» فهذا دليل على أن القاضي يحكم بالظن، على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد صرح بأن الحاكم يحكم بالظن فعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» فهذا كله دليل على أن كون الشهادة يقينية لا يعني أن الحكم مبني على اليقين بل هو مبني على غلبة الظن.

وأما مسألة أن كون الشهادة لا تكون إلا عن يقين لا يعني أن الحكم بها واجب على القاضي، فذلك لأنها عن يقين عند الشاهد، وأما القاضي فقد يكون لديه واقع يناقض هذه الشهادة بل قد يكون لديه نص قطعي يناقض هذه الشهادة، وقد يغلب على ظنه كذب الشاهد، ولذلك لا يلزم القاضي بالحكم بالشهادة ولو كانت عن يقين بل له أن يحكم بها وله أن يردها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت