فمن هذا كله يتبين أن الأصل جواز شهادة غير المسلم في كل شيء لأنه مخاطب بالتكاليف، وهي تصح منه إن لم يأت نص في اشتراط الإسلام فيها، والشهادة من التكاليف لأنها خطاب الشارع وهو موجه لجميع الناس، ولم يأت نص في اشتراط الإسلام فيها، فتصح من غير المسلم كالجهاد. ويتبين أيضًا أن هناك حوادث لا تصح فيها شهادة غير المسلم، بل يشترط فيها أن يكون الشاهد مسلمًا وهي الحوادث التي جاءت النصوص مشترطة فيها أن يكون الشاهد مسلمًا، وهي الحقوق المالية، والوصية ما عدا حالة السفر فتجوز فيها وحدها شهادة غير المسلم، والرجعة والطلاق ومن الرجعة الزواج. وما عدا هذه الحوادث التي جاء النص مشترطًا فيها أن يكون الشاهد مسلمًا، فإن شهادة غير المسلم جائزة. فيجوز لغير المسلم أن يكون شاهدًا في الحدود، فيجوز أن يكون شاهدًا في الزنا. وأما قوله: {يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} فإنه لم يشترط فيهم الإسلام، بل أطلق وقال شهداء أي شهداء، ويجوز أن يكون شاهدًا في السرقة والقذف وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود. ويجوز أن يكون شاهدًا في الجنايات، وقد تأيد جواز شهادة غير المسلم في الجنايات علاوة على الدليل العام ما جاء في حديث بشير بن يسار، فقد روى البخاري: «عن بشير بن يسار زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حتمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلًا، وقالوا للذي وجد فيهم قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، فانطلقوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلًا، فقال: الكبر الكبر، فقال لهم تأتون بالبينة على قتله، قالوا ما لنا بينة، قال فيحلفون. قالوا لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطل دمه فواده مائة من ابل الصدقة» فهذا الحديث يدل على أن الرسول طلب منهم بينة على قتل قتيل قتل عند اليهود، إذ قالوا له