وقد يقال أن الله قد ذكر نصاب الشهادة بأنه رجلان أو رجل وامرأتان بنص صريح قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} فمنطوقه ومفهومه يدل على أن هذا هو نصاب الشهادة، فقبول الحديث الذي يقول بالشاهد الواحد ويمين المدعي يعني أن الحديث نسخ الآية، لأن الآية جاءت بحكم وجاء الحديث بحكم آخر غيره فيكون قد نسخه، والحديث لا ينسخ القرآن خاصة وأن الحديث المذكور خبر آحاد فيكف يصح أن يكون نصاب الشهادة شاهدًا واحدًا ويمين المدعي؟ والجواب على ذلك من وجهين: أحدهما أن الآية خاصة في موضوع خاص، فلا تشمل غير هذا الموضوع، فلا تكون عامة، فلو فرضنا أن الآية بيّنت النصاب فإنه يكون بيانًا للنصاب في هذا الموضوع فقط وهو الحقوق المالية، وتكون النصوص الأخرى جاءت مبينة النصاب في غير الحقوق المالية. ثانيهما أن أحاديث الشاهد الواحد ويمين المدعي ليست مبطلة لما جاء في الآية من أن نصاب الشهادة شاهدان، بل هي مبينة بيانًا زائدًا على بيان الآية، فالآية بينت الشاهدين بأنهما رجلان أو رجل وامرأتان، والحديث بين انهما كذلك شاهد ويمين المدعي، فيكون بيانًا ثانيًا. فيكون الحديث قد جاء بزيادة على الآية ولم يأت بحكم جديد غير الحكم الأول بل جاء بالحكم الأول وزاد عليه حكمًا آخر، والحديث إذا جاء متضمنًا لزيادة على ما في القرآن فإنه لا يكون نسخًا بل زيادة مستقلة بحكم مستقل، فإذا ثبت سنده وجب القول به. فإن النسخ رفع حكم والزيادة لا رفع فيها، والزيادة إنما هي كالتخصيص، فكما أن تخصيص الكتاب بالسنة جائز وكذلك الزيادة عليه جائزة. والشواهد على ذلك كثيرة جدًا، فالله تعالى حين ذكر المحرمات قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وجاءت السنة بتحريم نكاح العمة مع بنت أخيها، والله تعالى يقول: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وجاءت