الذي قبله يتبين منهما معًا جواز شهادة المرأة الواحدة فيما لا يطلع عليه غير النساء، لأن شهادة المرأة الواحدة ثبت جوازها في الرضاع، والعلة في ذلك هي كون الرضاع مما لا يطلع عليه غير النساء، وقد استنبطت هذه العلة من كون موضوع الشهادة هو الرضاع، ومن حديث: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن» فإنه يفهم منه أن جواز شهادة المرأة الواحدة في الرضاع لأنه مما لا يطلع عليه غير النساء. وقد تأيد ذلك بحديث آخر هو حديث مجاهد وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وطاوس رضي الله عنهم قالوا: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه» وتأيد أيضًا بما روي عن حذيفة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة على الولادة وقال: شهادة النساء جائزة فيما لا يطلع عليه الرجال» . فهذا كله يدل على أن الأحاديث لم يكن مقصودًا بها الرضاع بخصوصه، ولا الولادة بخصوصها، بل هي معللة بعلة ما لا يطلع عليه غير النساء، فتكون شهادة المرأة الواحدة هي نصاب الشهادة فيما لا يطلع عليه غير النساء.
وعلى ذلك فإنه يكون قد استثنى الشارع من نصاب الشهادة ثلاثة أمور: أحدها الزنا، وجعل له نصابًا أكثر من نصاب الشهادة، والثاني رؤية الهلال، والثالث ما لا يطلع عليه غير النساء، وجعل لهما نصابًا أقل من نصاب الشهادة، فجعل نصاب الأول أربعة شهود، ونصاب الثاني رجل واحد، ونصاب الثالث امرأة واحدة.