فعرضت في هذا الفصل البراهين الساطعة والأدلة الواضحة على اشتراط رضا الرجل؛ فآيات القرآن جلية في تمليك الطلاق للرجل، والخلع صورة من صورة الطلاق، ذكره الله في إحدى آيات الطلاق، ولكنّه زاد جلّ ثناؤه فيه حكمًا جديدًا، وهو أن للمرأة فيه دخل من حيث أنه لا حرج عليها أن تفتدي نفسها بشيء من المال تقدِّمه لزوجها؛ ليرضَ أن يطلِّقَها، وهذه الآية التي أفادت هذه الحكم لم تملِّك المرأة تطليق نفسها بلا رضا زوجها.
وذكرت فيه حديث نشوز امرأة ثابت بن قيس - رضي الله عنه - ورواياته المختلفة الموضحة للمجمل فيه وكلام الشراح في بيان معناه، ورفعت الالتباس الذي وقع من البعض في فهمه.
وختمت هذا الفصل بذكر أقوال الفقهاء في المذاهب الإسلامية المختلفة في اشتراط رضا الزوج، وأنه من المسائل المتفق عليها التي لم يسبق أن خالف فيه أحد يعتدّ به، ومعلوم أن ما كان من مسائل الاتفاق والإجماع لا يجوز الخروج عنه بوجه من الوجوه.
ولذلك كان أمر رضى الرجل بالخلع من الأمور المسلمات لولا تشويش المشوشين، قال الدكتور مصطفى الزلمي (1) : من البديهي أن الركن الأساس في هذا التصرف الخلع هو التراضي وتلاقي إرادة الزوجين في إنهاء رابطة الزوجية مقابل التزام الزوجة ببدل….
وفي الفصل الثاني رأيت تتميمًا للفائدة من هذا البحث أن أعرض أحكام الخلع بالتفصيل حتى في مسائله الدقيقة.
وقبل الدخول في مادة هذا البحث، فإن مسؤولية أنفسنا ومجتمعاتنا والحفاظ عليها ملقاة على عاتق الجميع كلّ حسب امكانياته وقدراته التي رزقه الله له، لا سيما من بيده الحل والعقد، فعلينا أن لا ندخر جهدًا من أجل الرقي والارتفاع بمجتمعنا عن كل ما يدنسها، وما يكيد له أعداؤنا، ولا يكون ذلك إلاّ بإخلاص علمنا لوجه الكريم، وهو الموفق لسواء السبيل.
... ... ... وكتبه
(1) مدى سلطان الإرادة في الطلاق 2: 147.