قال ابن القيم: والسنة الصريحة الصحيحة تدل عليه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يستنكه من أقر بالزنى، مع أنه حاضر العقل والذهن، يتكلم بكلام مفهوم ومنتظم، صحيح الحركة. ومع هذا فجوز النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون به سكر يحول بينه وبين كمال عقله وعلمه، فأمر باستنكاهه. (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم، ص 31) .
بعد هذا كله نطمئن الأخت المسلمة السائلة إلى أن ما صدر عن زوجها من طلاق في حال سكره ونشوته غير معتبر في نظر الشرع، سائلين الله أن يتوب على الزوج العاصي، وأن يعين الزوجة المؤمنة في محنتها. وأن يوفق أولي الأمر في بلاد الإسلام لمنع أم الخبائث ومعاقبة من شربها أو أعان عليها بوجه من الوجوه ومنه العون وبه التوفيق [1] .
3 -الاختيار والقصد:
الإرادة والاختيار أساس في التكليف ومن فقدها فقد الأهلية ولذلك أعتبر الشرع المكره غير مسئول عن تصرفاته لأنه مسلوب الإرادة فلو اسلم شخص مكرهًا لا يعتبر بإسلامه لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي [2] } ولذلك لو كفر مكرهًا لا يعتد بكفره لقوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [3] ولقوله - صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه" [4] وكذلك مدار صحة أفعال العباد وأقوالهم متوقف على النية لقوله - صلى الله عليه وسلم -"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى" [5] يقول القسطلاني في شرحه للحديث"إنما الأعمال البدنية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها قليلها وكثيرها الصادرة من المؤمنين المكلفين صحيحة أو مجزئة بالنيات قيل قدره الحنفية انما الأعمال الكاملة والأول أولى لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال. [6] . والطلاق فعل من افعال العباد يحتاج إلى النية والتي تعني القصد والعزم ولذلك يقول الله تعالى: {فإن عزموا الطلاق} لكن هل تكفي النية فقط لوقوع الطلاق دون التلفظ وهل يكفي اللفظ في الطلاق دون النية هذا ما يتضح في النقاط التالي:"
أ- نية الطلاق:
لو نوى الزوج في نفسه تطليق زوجته أو طلقها في نفسه دون أن ينطق بلفظ يدل على الطلاق قاصدًا إياه فإن الطلاق لا يقع عند الجمهور يقول صاحب المغني: أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ فلو نواه بقلبه من غير لفظ لم يقع في قول عامة أهل العلم منهم عطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ويحي ابن كثير والشافعي واسحاق وروى أيضًا عن القاسم وسالم والحسن والشعبي [7] واستند الجمهور إلى حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"وقال قتادة إذا طلق في نفسه ليس بشئ [8] وقد توقف ابن سرين في المسألة كما نقل"
(1) * فتاوى معاصرة ج1
(2) سورة الآية البقرة الآية 256.
(3) سورة النحل الآية 106.
(4) رواه ابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(5) البخاري ومسلم.
(6) إرشاد الساري ج1ص89.
(7) المغني ج8 ص163.
(8) البخاري شرح القسطلاني ج12ص42.