الصفحة 7 من 47

تبغوا عليهن سبيلًا إن الله كان عليًا كبيرًا [1] ، وقال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها إن يريدا أصلاحًا يوفق الله بينهما} [2]

ومع هذا كله قد تستحيل العشرة وتتحول الحياة إلى جحيم لا يطاق وبدلًا من السكن والمودة والرحمة يصبح الشقاق والخصام وسوء الأخلاق ويقع الضرر المحقق على الزوجين أو أحدهما ومعهما الأولاد ومن حولهما الأهل والأصحاب وبهذا تفوت الحكمة التي من أجلها شرع الزواج فإما أن يأمر الشرع بالابقاء على الزوجة وهنا قد تحدث فتنة وجرائم تصل أحيانًا إلى أن يفكر كل واحد من الزوجين بالتخلص من صاحبه ولو بالقتل أو يعمد إلى الخيانة الزوجية تنفيسًا عن نفسه كا يحدث في المجتمعات التي تمنع الطلاق وإما أن يتعامل الإسلام بروح الواقعية ويراعي المفاسد والمصالح بأن يقدم الضرر الأخف على الضرر الأشد ويختار أهون الشرين ويبيح الطلاق ويضع الضوابط والأصول التي تحفظ الحقوق لكل منهما. يقول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله:"ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة وضررًا محضًا بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه" [3] ويقول العلامة الكاساني رحمه الله:"شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى النكاح مصلحة لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد -أي مقاصد النكاح- فتغلب المصلحة إلى الطلاق ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه فيستوفي مصالح النكاح منه" [4] ، وهذا ماحدا بكثير من البلاد الأوروبية التي كانت تحرم الطلاق وفقًا لمذهبها ودينها أن تتراجع أمام الاشكاليات الكثيرة التي تقع نتيجة لتحريم الطلاق وتصدر القوانين التي تسمح بالانفصال والطلاق. [5]

لكن الإسلام حين شرع الطلاق دلل على فهمه للطبيعة البشرية ونظرته العميقة إلى المشاكل التي تقع ومع هذا فقد تدرج الإسلام في استعمال أخر الدواء وهو الطلاق فجعله ثلاثًا يستطيع الرجل أن يراجع اهله دون عقد أو مهر جديدين بعد الطلقة الأولى أو الثانية قبل انقضاء العدة كما حرم الطلاق أثناء الحيض أو في طهر حصل فيه لقاء بين الرجل وزوجه [6] كل ذلك حتى يفسح المجال لمزيد من التفكير ومحاولة لجمع الشمل ورأب الصدع بل أمر أن تبقى المطلقة في بيت زوجها طيلة فترة العدة لعل النفس تهدأ ويعود إليها صفاؤها فتعود المياه إلى مجاريها ويراجع الرجل زوجه

(1) سورة النساء الآية 34.

(2) سورة النساء الآية

(3) المغني لابن قدامة ج8ص234.

(4) البدائع ج3 ص112.

(5) مثل أيرلندا والسويد وغيرها من الدول المسيحية وقد نشرت جريدة الأهرام المصرية في تاريخ 17/ 12/1967م خبرًا تحت عنوان مشكلة الطلاق بين الحكومة والكنيسة الإيطالية مانصه: لأول مرة منذ عشرين سنة تجرؤ الحكومة الإيطالية على التدخل في مسالة تخص الكنيسة وحدها وهي مشكلة الطلاق ففي البرلمان مشروع قانون يطالب بإباحة الطلاق في أيطاليا هذا المشروع مقدم منذ سنتين ولكن لم يبث في أمره بسبب المذكرة التي رفعها البابا بولس السادس يرفض فيها رفضًا باتًا دراسة أي موضوع يخص الفاتيكان وحده وخاصة إذا كان هذا الموضوع يتعلق بالطلاق ولكن لم ييأس أصحاب المشروع ظلوا يعقدون الاجتماعات والندوات ويصدرون النشرات ويعلنون أن هناك خمسة ملايين امرأة منفصلة عن زوجها بسبب الفشل في الحياة الزوجية وأن هناك نصف مليون رجل يعيش مع امرأة غير زوجته وأن 300 طفل غير شرعي يولدون عن هذه العلاقات وأخيرًا خرج مشروع القانون الخاص بإباحة الطلاق إلى الضو من جديد ومازالت المعارك الحامية تدور حوله داخل البرلمان نفسه وينص المشروع بإباحة الطلاق في حالات معينة منها الإصابة بالجنون والحكم بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات والسجن بسبب ارتكاب جريمة جنسية والهجر لمدة خمس سنوات"وقد صدر القانون بموافقة مجلس الشيوخ أولًا ثم المجلس النيابي في مساء يوم 1/ 11/1970م صحيفة الأنوار اللبنانية تاريخ 2/ 11/1970 العدد 3622."

(6) يأتي توضيج ذلك عند الحديث عن حكم طلاق البدعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت