ودخول الرجل بامرأته هو خلوته بها, كما يخلو الرجل بامرأته, ولهذا يقال: دخل بامرأته: إذا بنى بها, وإن لم يعرف: هل وطئها أم لا؟ ويقال ذلك, إن كانت حائضًا, وإن كان هو صائمًا أو مُحرِمًا, أو كانت رَتْقاء.
فأما إذا قالت: لا أرضاه, أو كانت ممتنعة منه بدفعها له عن نفسها, أو بصومها الفرض, أو إحْرامها: فهذا الدخول قد يكون من أجنبية مع الرجل يخلو بها وتمنعه نفسها فليس هذا دخولًا يختص بالنكاح, بل هو مشترك بين النكاح وغيره.
ومعلوم أن الله لم يرد إلا الدخول الذي يختص النكاح, وإلا فالرجل قد يدخل على النساء الأجانب, ويدخلن عليه فلا يتعلق بذلك حكم.
وكذلك وله (مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ) (البقرة 237) ليس في القرآن ما يوجب تخصيص ذلك الوطء, بل قد قال تعالى في الاعتكاف (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ) (البقرة 187) وكان هذا عامًا, وكذلك قوله في الإحرام (فلا رفث ولا فسوق) (البقرة 197) ومن ادَّعى أن لفظ المس في آية الطهارة يتناول كل مس, ولو بغير شهوة, وجعل المس هنا النكاح, مع أن المس واللمس سواء, فقد فرق بين المتماثلين, بل المس واللمس العاري عن شهوة ولذة: لم يعلق به الشارع حكمًا أصلًا, وأم المس بشهوة ولذة فهذا محظور في الإحرام والاعتكاف, فقد علَّق الشارع به حكمًا بالاتفاق.
فاستقرار المهر: هل هو مشروط بالوطء , أو يكفي فيه هذا المس؟
هذا هو مورد النزاع. وظاهر القرآن والسنة, والاعتبار: يوجب تعليق ذلك بالمعنى الأعم.
وأما السنة: فحديث ابن ثوبان"من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق, دخل بها أو لم يدخل"وهو مرسل, لكن عضده ظاهر القرآن, وقول جمهور السلف. فإنه قد ثبت أن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين - رضي الله عنهم - قضوا: أن من أغلق بابًا, أو أرخى سترًا: فقد وجب عليه الصداق والعدة, كما قال ذلك زرارة بن أوفى وغيره, وهذا معروف عن عمر بن الخطاب وعلي بن طالب, وزيد بن ثابت, وابن عمر.