وقال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز إن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك، فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشترى ربح ثلاثين ألفًا، قال: فأتى صاحب السكر، فقال: يا هذا إن غلامي كان كتب إلي، فلم أُعلمك، فأقلني فيما اشتريت منك، فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبته لك، قال: فرجع فلم يحتمل قلبه، فأتاه، فقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا البيع، قال: فما زال به حتى رد عليه . فانظر إلى شدة ورعه وخوفه من الوقوع في الحرام وقارنه بمن يأتون الربا الصريح والحرام الواضح.
وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة، فوجدت الطعام منغصًا فحبسته، فزاد الطعام، فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا، وعملت بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي، فتصدق بجميع ثمن ذلك الطعام على فقراء البصرة، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك .
فانظر إلى هؤلاء الذين اجتنبوا ما فيه شبهة أترى هذا كرهًا وعدم حب للمال؟ لا وربي بل هو الخوف ممن قال في كتابه (إن لدينا أنكالًا وجحيمًا وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا) . ورجاء ثواب من مدحهم إذا اجتنبوا الهوى ووعدهم جنته (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) .
المبحث السادس
(الأرزاق مقسومة)
مما لا ريب فيه ولا شك! أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد قسم الأرزاق بين عباده فلا يمكن بحال من الأحوال أن يأخذ العبد رزقًا لم يكتبه الله له فإن الرزق محتوم من الأزل، ومقدر من الله تعالى تقديرًا لا جدل فيه يقينًا لا ظنًا. فلماذا التورط في الحرام؟ في زحمة الاستثمار والبحث عن زيادة الأرصدة؟ لم لا تتواصى الأمة بالوقوف عند الحلال الذي لا شبهة فيه والبعد عن المحرمات والمشتبهات ناهيك على أن هذه المحرمات والمشتبهات لا يمكن أن تزيد في أرزاقنا غير ما كتبه الله لنا.
إن يقين المؤمن في أن رزقه مكتوب لا يمكن أن تشوبه شائبة كيف وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، قال: «إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع: برزقه وأجله، وشقي أو سعيد» .
إن في هذا الحث القوي على القناعة، والزجر الشديد عن الحرص، لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره لم يغن التعني في طلبه وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا .
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الرِّزق ليطلبُ العبد كما يطلُبُهُ أجله .