فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 46

المبحث الثاني

التحذير من كسب الحرام

لقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه التحذير الشديد من كسب الحرام وبيان عاقبة ذلك بل شبه النبي صلى الله عليه وسلم أولئك النفر المتهافتين على الحرام بالأنعام وسوف أورد بعض

الأحاديث عسى أن تكون بها عظة وعبرة، وعودة إلى الحق والجادة قبل أن لا ينفع مالٌ ولا بنون ومن هذه الأحاديث:

1 -عن عطاء بن يسار: أنه سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: «إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» . فقال رجلٌ: يا رسول الله: أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: ما شأنك، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك؟ فرأينا أنه يُنْزَلُ عليه، قال: فمسح عنه الرُحَضَاء ، فقال: «أين السائلُ» وكأنه حَمِدَهُ فقال: «إنه لا يأتي الخير بالشر، وإن مما ينبت الربيع يَقتُلُ أو يُلِم ، إلا آكِلَةَ الخَضِرَاء ، أكلت حتى إذا امتدت خَاصِرَتاهَا، استقبلت عين الشمس، فَثلَطَتْ وبالت ورتعت، وإن هذا المال خَضِرةٌ حُلْوةٌ، فَنِعْمَ صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يَأكُلُ ولا يَشْبَعُ، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة» .

وقد جاء في شرح هذا الحديث كلام نفيس لأهل العلم ومنه:

1 ـ قول الحافظ ابن رجب - رحمه الله: «فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له، لا بقليل يقنع، ولا بكثير يشبع، ولا يحلل، ولا يحرم، بل الحلال عنده ما حل بيده وقدر عليه، والحرام عنده ما منع منه وعجز عنه. فهذا هو المتخوض في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسه، وليس له إلا النار يوم القيامة.

وفي هذا تنبيه على أن من تخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها، كمال الربا، ومال الأيتام الذي من أكله أكل نارًا، والمغصوب، والسرقة، والغش في البيوع، والخداع، والمكر، وجحد الأمانات والدعاوى الباطلة، ونحوها من الحيل المحرمة، أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غدًا. فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذذون بها، ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها، ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرًا من جمر جهنم في بطونهم فما تفي لذتها بتبعتها، كما قيل:

تفنى اللذاذة ممن نال لذتها من الحرام ويبقى الإثم والعارُ

تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النارُ

فلهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم من يأخذ الدنيا بغير حقها، ويضعها في غير حقها، بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله؛ فإما أن يقتلها، وإما أن يقارب قتلها. فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها؛ فقد يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه، ومن مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حال، فيستحق النار بعمله .

2 ـ وقال ابن الأثير ـ رحمه الله ـ: فأما قوله: «وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يُلم» فإنه مَثَلٌ للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها، وذلك: أن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه، حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حقها ويمنعها من حقها: قد تعرض للهلاك في الآخرة، لا بل في الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت