فهرس الكتاب
من ذلك أن المطابقة والتقابل في بيانه - صلى الله عليه وسلم - لم يتقيدا بموضوع معين بل إنهما يأتيان لتوضيح المعنى في كل موضع وموضوع يتطلبهما.
والحديث عن دقة الألفاظ هنا حديث يطول، وأترك للقارئ أن يتأمل في هذه الأمثلة وغيرها من البيان النبوى لأنتقل إلى الحديث عن فن آخر من فنون البديع اللفظى في الحديث النبوى وهو فن"الجناس".
الجناس [1] : هذا الفن من فنون البديع اللفظى واسع متشعب المسائل، ونتيجة لذلك فإن وضع تعريف له يجمع شتاته من الصعوبة بمكان، ولقد اكتفى البلاغيون بوضع تصور أو ضابط لنوع من أنواعه مما أدى إلى كثرة هذه التعريفات مع ما فيها من قصور، ويفهم من كلام القدماء أن الجناس عندهم: اتحاد طرفيه وتشابههما في الصورة والتلفظ مع اختلاف المعنى [2] فاللفظ فيه واحد والمعنى مختلف، وينقسم إلى جناس تام، وغير تام.
وهذا الفن من فنون البديع اللفظى له أمثلة مشهورة في الحديث النبوى ينقلها اللاحق عن السابق، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم:"الظلم ظلمات يوم القيامة" [3] ، وقوله:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ..." [4] ، وقوله:"غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله" [5] ، وقوله:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ..." [6]
وهذه الأحاديث وغيرها مما يدور في كتب البلاغة مثل: البديع لابن المعتز ت (296) و هو من أوائل من فطنوا إلى هذا الفن، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر ت (327) ، والصناعتين لأبى
(1) من العلماء من يسمى هذا الفن من فنون البديع اللفظى تجنيسًا، ومنهم من يسميه مجانسًا، ومن يسميه جناسًا، أسماء مختلفة والمسمى واحد؛ وسبب هذه التسمية راجع إلى أن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد. والجنس: أصل كل شئ تتفرع منه أنواعه وتعود كلها إليه كالإنسان: وهو جنس وأنواعه: عربى، ورومى، وزنجى. ينظر العمدة 1/ 33, والمثل السائر ص 153
(2) انظر الصناعتين ص 353, والعمدة 1/ 321, وسر الفصاحة ص 193, والمثل السائر ص 153, وانظر لبعض العصريين الفنون البديعية في دائرة البحث البلاغى ص 190 أ. د. فوزى السيد، البديع المصطلح والقيمة ص 115 - 129 أ. د. عبد الواحد علام، والبديع من المعانى والألفاظ ص 102 أ. د. عبد العظيم المطعنى, وعلم البديع ص 196,195 أ. د. عبد العزيز عتيق.
(3) متفق عليه من حديث ابن عمر. المشكاة ح (5123) 9/ 301
(4) متفق عليه من حديث ابن عمر. المشكاة ح (6) 1/ 111
(5) متفق عليه من حديث ابن عمر. المشكاة ح (5984) 11/ 197
(6) أخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله. المشكاة ح (3867) 7/ 379