فهرس الكتاب
وتنتشر بين الناس كما أن المطر يسيل على الأرض وينتشر بين البيوت [1] ، إنها فتن عامة لأن المطر حين ينزل على البيوت في مكان واحد لا يخص طائفة دون طائفة، بل يشمل كل من في المكان، فهذه الفتن شاملة لجميع الناس. والتصوير النبوى ينطبق على زماننا تمام الانطباق، فنحن نعيش في فتن خلال بيوتنا وفى حياتنا كمواقع القطر، وهى فتن كثيرة في الدين، والأموال، والأولاد والشهوات الأخرى [2] فلنتأمل في هذا التصوير النبوى الدقيق الذى تخطى حدود المكان والزمان [3] ومن التشبيهات النبوية الرائعة: قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة" [4] وهذا الحديث من التشبيهات الرائعة لواقع يعيشه الناس في كل زمان ومكان، وهو قلة الصالحين الصادقين الذين يعاونون إخوانهم على البر [5] ، وهنا جاء التشبيه بالإبل المائة ليبين هذه الحقيقة بصورة من الواقع والبيئة، فالإبل منها ما هو راحلة صالحة للركوب، مذللة في السفر و سهلة القياد، وهذه الراحلة بهذه الصفات مما يقل في الإبل، وكذلك المخلصون الأوفياء اللينون المتعاونون مع إخوانهم على البر والتقوى، الصادقون في مودتهم قليلون. والتصوير النبوى هنا يتخطى حدود المكان والزمان؛ لأن معناه مما نراه ونشاهده في حياتنا مع شدة الصراع المادى في الحياة، وشيوع الأثرة بين الناس إلا من رحم ربى!
"وقد يكون المقصود من هذا التصوير النبوى بيان أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيهم لشريف على مشروف، ولا لرفيع منهم على وضيع كالإبل المائة لا يكون فيها راحلة أى التى ترحل لتركب، والراحلة: فاعلة بمعنى مفعولة، أى كلها حمولة تصلح للحمل، ولا تصلح للرحل"
(1) يقول العلماء: هذا الإخبار من علامات النبوةلأنه أعلمهم بما سيكون، وقد ظهر ذلك من قتل عثمان رضى الله عنه، ووقعة الجمل، وصفين، والحرة، ومقتل الحسين، وهلم جرًا. راجع صحيح مسلم بشرح النووى 18/ 8,7, وفتح البارى 4/ 113. قلت: والحديث عام يشمل زمن الصحابة وما بعده إلى يومنا هذا، فلقد ظهرت الفتن التى أخبر عنها النبى صلى الله عليه وسلم، وعمت العباد والبلاد!
(2) جاء ذكر مادة"فتن"ومشتقاتها في ستين موضعًا من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) (التغابن: 15) وينظر في هذه المواضع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ص 512,511
(3) ولقد ذكر ناصح الدين بن الحنبلى هذا الحديث ضمن أقيسة النبى صلى الله عليه وسلم في موضعين من كتابه أقيسة النبى ص 123,93
(4) متفق عليه من حديث ابن عمر. المشكاة ح (5360) 10/ 310. والراحلة عند العرب: الجمل النجيب والناقة النجيبة والهاء للمبالغة كما يقال: رجل فهامة ونسابة؛ وسميت راحلة لأنها ترحل أى يجعل عليها الرحل، فهى فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية بمعنى مرضية ونظائره. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 101
(5) وقد يكون المقصود به معنى آخر سيأتى ذكره بعد الأول.