فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 215

والركوب عليها. وقد يكون المقصود أن أكثر الناس أهل نقص، وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدًا، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ومنه قوله تعالى: { ... وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الروم: 6) ، وقد يكون المقصود أن الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل. وقال القرطبى: الذى يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذى يحمل أثقال الناس، والحمالات عنهم، ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة. وقال غيره: معنى الحديث أن الناس كثير، والمرضى منهم قليل" [1] ومن روائع التصوير: قوله - صلى الله عليه وسلم:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" [2] ، وهذا الحديث دعوة إلى الزهد في الدنيا، وعدم الاغترار بمتعها، وليكن حال المؤمن فيها حال السالك العابرلا المقيم الماكث. وقد شبهه أولًا بالغريب الذى لا سكن له يؤيه ولا حبيب يسليه، ثم ترقى وأضرب عنه [3] بقوله:"أو عابر سبيل"لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة، ويقيم فيها بخلاف عابر السيبل القاصد للبلد الشاسع، وبينه وبينها أودية مردية، ومفاوز مهلكة، وهو بمرصد من قطاع الطريق، فهل له أن يقيم لحظة، أو يسكن لمحة؟ لا [4] ، والحديث بما فيه من تصوير يشير من جانب آخر إلى قصر عمر الإنسان في هذه الدنيا، ومن أجل ذلك فعليه أن يقلل أمله، وليكن زاده منها كزاد الراكب الذى يأخذ في سفره على قدر حاجته وضرورته فلا يستكثر من المتاع لأنه زائل، فعليه بالزاد الذى لا يفنى ويكون معه حيث كان ألا وهو زاد التقوى والإيمان حيث يقول الحق سبحانه: { ... وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (البقرة: 197) ،"ولما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم، إذ لا يكاد يمربمن يعرفه مستأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه وتخفيفه من الأثقال غير متثبت بما يمنعه من قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده شبهه بهما، وفى ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا

(1) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 16/ 101, وشرح الطيبى 10/ 31, وفتح البارى 11/ 343. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الحديث قد ذكره الثعالبى في كتابه"الإعجاز والإيجاز"فى فصل جوامع تشبيهاته وتمثيلاته عليه السلام ص 5

(2) أخرجه البخارى والترمذى وابن ماجة من حديث ابن عمر. المشكاة ح (1604) 3/ 341

(3) لأ ن"أو"فى قوله:"أو عابر سبيل"يجوز أن تكون للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى"بل". وقال الجوهرى: يريد بل أنت. وأجاب الكرمانى بأنه من عطف العام على الخاص، وفيه نوع من الترقى لأن تعلقاته أقل من تعلقات المقيم. ينظر شرح الطيبى 3/ 341, وفتح البارى 11/ 293

(4) ينظر شرح الطيبى على المشكاة 3/ 341

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت