فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 215

فتصير السيوف تظل المقاتلين، وهناك تكون الجنة [1] الثانى: على أن يكون المقصود منه الالتحام مع الأعداء في ساحة القتال، والقرب منهم حتى يصير المتقاتلان كل واحد منهما تحت سيف خصمه لحرصه على رفعه عليه، ولا يكون ذلك إلا عند التحام الصفوف، والضرب فوق الأعناق، وضرب كل بنان [2] ، إن المطلوب هوالثبات والصبر [3] فى هذه الشدة عند نزول ساحة الوغى حين يقبل الموت على المؤمن وهو ثابت راسخ كالجبل الأشم في وجه الإعصار. ونلمح هنا سر دقيق في الربط الخيالى بين الجنة وظلال السيوف. لقد ذكر"أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ولم يقل مثلًا: فوقها أو حولها، بل قال تحتها، فهو يريد أن يبين أنه حين تلتحم الصفوف، ويكون المجاهد الصادق تحت ظل سيف عدوه، وعدوه تحت ظل سيفه، حين يضرب المجاهد ويسقط على الأرض فإنه في ذلك الحين يكون في قمة الرفعة والعزة لأن روحه إنما ترفع إلى أعلى المقامات في الجنة. إن جرحه الذى يسيل منه الدم يأتى يوم القيامة كهيئته لونه لون دم، وريحه ريح مسك. إن الجنة هناك في هذا الموضع لمن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واشترى الله منهم أنفسهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون!

ولتأمل كيف ربط البيان النبوى بين الجنة وظلال السيوف في أذهاننا وفى خيالنا، وكيف طوى المسافة بين عالم الغيب وهو مستقر أرواح الشهداء، وبين عالم الشهادة وهو ميدان المعركة ومصارع الشهداء، ومما تجدر الإشارة إليه أنه قد جاء هنا ذكر السيوف وحدها دون غيرها من آلات القتال الأخرى كالرماح والنبال. ويبدولى وراء ذلك سر بلاغى، فالرماح والنبال قد يكون القتال بها عن بعد ولا تستخدم غالبًا عند التحام الصفوف، وإنما الذى يستخدم في هذا الموقف غالبًا هو السيوف وحدها. وفى ذلك إشارة إلى النزول في ساحة المعركة، ومواقع الموت، والالتحام مع الأعداء، وتسديد الضربات الموجعة، و والإقدام على الموت المستعذب، والاستشهاد في سبيل الله، فالجنة إنما تكون حين يعلو ظل

(1) قال القرطبى: وهو من الكلام النفيس الجامع المشتمل على ضروب من البلاغة مع الوجازة وعذوبة اللفظ، فإنه أفاد الحض على الجهاد والإخباربالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف، والاجتماع حين الزحف حتى تصير السيوف تظل المقاتلين. فتح البارى 6/ 40

(2) يقول الطيبى: قوله:"تحت ظلال السيوف"كناية عن الضراب في الجهاد حتى يعلوه السيف، ويصير ظله عليه. شرح الطيبى على المشكاة 7/ 422,421

(3) حيث يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون) (الأنفال: 45)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت