فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 215

سيف المجاهد فوق هامة عدوه، أو حين يعلو سيف عدوه فوق هامته. إن للسيوف هاهنا بريقًا ولمعانًا [1] فى العيون، وفى ظل هذا الموقف العصيب يظهر من يخدعه بريق الدنيا فيميل إليها ويحجم عن الإقدام، ويسمو ويعلو من لا يهاب بريق السيوف فيقدم على الجنة ولسان حاله يقول: يا رياح الجنة هبى! وهذا حال من باع لله نفسه، وصدق الله فصدقه، فهو يملك بيده مفاتيح الجنة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن السيوف مفاتيح الجنة" [2] كل هذه المعانى وغيرها تجسدها الكناية الرائعة في قوله - صلى الله عليه وسلم:"الجنة تحت ظلال السيوف".

وبعد هذه الرحلة القصيرة في رياض التمثيل والتصوير النبوى يأتى السؤال المهم، وهو لم اعتمد النبى - صلى الله عليه وسلم - على التمثيل والتصوير بمختلف أنواعه في كثير من الأحاديث؟ هل السبب في ذلك القرآن الكريم وحده، واتباع النبى لمنهجه؟ أم هناك أسباب أخرى؟ والجواب عن ذلك أن القرأن الكريم كان له أكبر الأثر في التمثيل والتصوير النبوى وذلك واضح كل الوضوح وقد أشرت إلى ذلك عند الحديث عن أسباب بلاغته - صلى الله عليه وسلم - [3] ، ويضاف إلى ذلك ما للتمثيل والتصوير من أثر في توضيح المعانى، ومن ذلك ما ذكره الإمام عبد القاهر عن أسباب تأثير التمثيل. ولقد ذكر لتأثير التمثيل عدة أسباب:

أولها: نقله النفس من العقلى إلى الحسى، ومن النظرى إلى الضرورى، وذلك مما يوجب لها أنسًا بالمعنى، وثقة به، واطمئنانًا إليه. والسر في ذلك أمران: أحدهما: أن العلم الثانى وهو الحسى الضرورى أقوى من العقلى والنظرى، وأشد استحكامًا، ولذلك يقولون: ليس الخبر كالمعاينة، ولا الظن كاليقين. فإذا جئت بالمثل عقب المعنى أو أبرزت المعنى في معرضه أنست إليه النفس ووثقت به، وقبلته مطمئنة، إذ رددتها إلى ما هى به أعلم، وثقتها به أحكم. ثانيهما: أن العلم الحسى والضرورى أسبق حصولًا للنفس من العقلى والنظرى؛ لأن العلمين الأولين وسيلتها إلى العلمين الأخيرين، وطريق حصولهما لها، فهى آلف لهما

(1) فلقد أخرج الطبرانى بسند صحيح من حديث عمار بن ياسر رضى الله عنه أنه قال يوم صفين: الجنة تحت البارقة. وهى السيوف اللامعة. فتح البارى 6/ 40

(2) أخرجه ابن أبى شيبة من حديث أبى موسى الاشعرى. وقال الألبانى في السلسلة الصحيحة: إسناده جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير اثنين من رجال مسلم وحده، وفيهما كلام لا يضر. ح (2672) 6/ 375,374

(3) وذلك في الفصل الاول من الباب الثانى، وهو أسباب بلاغته صلى الله عليه وسلم في الجزئية الخاصة بنور القرآن وهديه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت