وهما أقدم لها صحبة، وآكد عندها حرمة ... ، فإذا نقلت النفس في شئ تمثله - أى تضرب له مثلًا - من المعقول إلى المحسوس، أو من النظرى إلى الضرورى كنت كمن يتوسل إليها للغريب بالحميم، وللجديد الصحبة بالحبيب القديم، وذلك أدعى لقبولها، وأجلب لرضاها.
ثانيهما: من أسباب تأثير التمثيل أنه كثيرًا ما يجمع بين أمرين متنافرين مختلفين. وسر تأثير ذلك: أن تصيد الشبه للشئ من غير جنسه واجتلابه له من غير مظنته، والتقاطه من المكان القصى حتى ترى به الأمرين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين، باب آخر من الظرف واللطف، ومذهب من مذاهب الإبداع والافتنان، وفيه من الطرافة والغرابة ما لا يخفى موضعه من العقل، وما يدعو محالة للاستحسان، ويثير كامن الارتياح، ويتألف نافر المسرة. وهذا السبب يتأتى في التشبيه غير التمثيلى [1]
ثالثهما: من أسباب تأثير التمثيل: أنه يحتاج إلى إعمال الفكر، وتحريك الخاطر، وبذل الهمة من كل من منشئه وسامعه، فالأول محتاج إلى ذلك في الغوص عليه، والاهتداء إليه، ثم في صوغه والإبانة عنه، والثانى يحتاج إلى ذلك في فهمه وإدراك سره، واجتلاء حسنه، وذلك ما يجعله في النفس أحلى، وبالميزة أولى. وسر ذلك. ما هو مركوز في الطباع من أن الشئ إذا نيل بعد طلبه والشوق إليه، والحنين له كان موقعه من النفس أعظم مما لو حصل عفوًا بلا عناء ولا طلب؛ ولذلك يضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد الماء على الظمأ، أو الوصل بعد الصد، أو الغنى بعد الفقر، أو الرخاء بعد الشدة، وأشباه ذلك مما يحصل بعد مكابدة الحاجة إليه، ومطالبة النفس به. وهذا السبب مرتبط بالسبب السابق، ومرتب عليه. فإن التمثيل إنما يدق ويلطف، وتكون حاجته إلى الفكر أمس إذا كان تقريرًا للشبه بين الأشياء المتباعدة المتباينة، فإن الأشياء المتقاربة في الجنس مستغنية عن التعمل والتأمل لظهور الشبه بينها وقرب مأخذه، اما الجمع بين أعناق المتنافرات في ربقة، وعقد النسب بين الأجنبيات فهو عنوان جودة القريحة، ودليل الحذق والأستاذية، وهو الذى يحتاج إلى دقة الفكر، ولطف النظر، ونفاذ الخاطر، وهو الذى أوجب للتمثيل الفضيلة، وأحظاه عند السامعين. وهذه الأسباب التى ذكرها الأمام عبد القاهر مما يتصل بموضوع التمثيل
(1) أما الأول فإنه مختص بالتمثيل لأن المشبه عقلى فلا يمكن أن يكون الوجه حسيًا، أما هذا السبب فإنه يتأتى في التشبيه غير التمثيلى، فإنه يجوز أن يكون الأمران المختلفان محسوسين، ووجه الشبه بينهما حسيًا.