أمر غير متوقع إلا عندما يكون مصدرًا للتشبيه والتمثيل والتصوير [1] ، فالوصف النبوى الذى يعتمد التصوير الذى يعتمد بدوره الخيال إنما يأتى في أعلى درجات الصدق، وعلى ذروة سنام البلاغة لأنه متصل بهذه النفس الصافية التى تربعت على قمة السمو الروحى، وهذا يدفعنا للحديث عن الخيال كطريق من طرق التعبير عن المعانى الصادقة والتصورات المعقولة طالما نتحدث عن الخيال وصلته بفن الوصف في البيان النبوى.
"إن إطلاق لفظ التخيل أو الخيال [2] فى صدد الحديث عن المعانى الصادقة والتصورات المعقولة لا يحط من قيمتها، أو يمس حرمتها بنقيصة، فإن علماء البلاغة أنفسهم قد أطلقوه على ما يأتى به البليغ في الاستعارة المكنية من الأمورالخاصة بالمشبه به، ويثبته للمشبه فقالوا: الأظفار أو إضافتها في قولك:"أنشبت المنية أظفارها" [3] تخييل أو استعارة تخييلية، وأطلقوه في الفصل والوصل حين تكلموا على الجامع بين الجملتين، وقسموه إلى عقلى، ووهمى، وخيالى [4] وأطلقوه في فن البديع على تصوير ما سيظهر في العيان بصورة المشاهد، ولم يبالوا أن يضربوا لجميع تلك المباحث أمثلة من آيات الكتاب العزيز، وغيره من الأقوال الصادقة."
ولقد كان من أساليب القرآن في الدعوة أن ضرب الامثال الرائعة، وصاغ التشابيه الرائقة، والاستعارات الفائقة، والكنايات اللطيفة، ويضاف إلى ذلك ما كان ينطق به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من
(1) ينظر الحديث النبوى مصطلحه وبلاغته وكتبه ص 72
(2) عالم الخيال: هو الصورة الذهنية التى ترتسم على صفحات عقولنا وتختزن في ذاكرتنا، واستعادة هذه الصور لا تكون بهيئتها دون تغيير وإلا ما كان للأديب فضل كبير في الإبداع لأن لكل إنسان صور مختزنة كثيرة يستطيع أن ينقلها كما أحس بها دون جهد، إنما الفضل كل الفضل في إبراز هذه الصورة المختزنة بعد اختيار للجيد ونفى للردئ، وحذف للعناصر التافهة، وإثبات للعناصر الحية. هذه العملية الإبداعية الكبيرة هى ما يسمى بـ"الخيال الفنى"فالخيال لدى الأديب يوجد مما اختزن في أعماق النفس مع تنسيق تراعى فيه أوجه التقارب والتشابه، ويتوقف نجاح الأديب على حسن اختيار الصورة التى تجلو معانيه وتغمرها بالوضوح والإشراق, فالصورة المنسقة هى التى تزيد المعنى جمالًا به يقترب البعيد ويجلو الغامض، فينتقل الشعور به إلى النفس حيًا قويًا ممتازًا، وعلى قدر هذا الانتقال الحى النافذ من الكاتب إلى القارئ يكمن إبداعه وتوفيقه قوة وضعفًا، وتحليقًا وانحدارًا. البيان النبوى ص 232,231
(3) جزء من بيت لأبى ذؤيب الهذلى وتمامه: وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع. والشاهد فيه: الاستعارة بالكناية والاستعارة التخييلية. فهو هنا شبه المنية في نفسه بالسبع في اغتياله للنفوس بالقهر والغلبة من غير تفرقة بين نفاع وضرار ولا رقة لمرحوم، فأثبت لها الأظفار التى لا يكمل الاغتيال في السبع بدون تحقيقها للمبالغة في التشبيه، فتشبيه المنية بالسبع استعارة بالكناية، وإثبات الأظفار لها استعارة تخييلية. ينظر معاهد التنصيص على شواهد التلخيص 2/ 164 للعباسى - ط عالم الكتب - بيروت - (1367) هـ (1947) م.
(4) ينظر المفتاح ص 123,122, والإيضاح 2/ 88