فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 215

أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هى يا رسول الله؟ قال:"هى النخلة" [1] فى هذا الحديث يضرب النبى - صلى الله عليه وسلم - مثلًا للمسلم، وفى ضرب الأمثال زيادة في الإفهام، وتصوير للمعانى لترسخ في الذهن. وهنا جاء الوصف

معتمدًا على التشبيه [2] حيث شبهت النخلة بالمسلم، وجاء الوصف أولًا للنخلة لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها"، وهذا الوصف من أبرز صفات النخلة التى امتازت به من سائر الأشجار، وهو عدم سقوط ورقها، وليست هذه كل صفات النخلة. ويبدو لى في ذلك ملحظ بلاغى، فالنبى - صلى الله عليه وسلم - بذكره لهذا الوصف من أوصاف النخلة يريد أن يبين أن النخلة لا ينقطع عطاؤها وخيرها بحال من الأحوال، فورقها فيها سواء أخرج منها الثمر أم لم يخرج، وفى هذا إشارة إلى أن الخير مستمر في المسلم في كل حال؛ لأن نفسه مجبولة على حب الخير والعطاء، لا يفارقه حب الخير، ولا يفارق هو فعل الطاعات، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، كما أن النخلة لا يسقط ورقها بحال من الأحوال، ولهذا عقب النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا الوصف للنخلة بتمثيلها بالمسلم، وكأنه يلفت الأنظار بداية إلى أن هذه الخصيصة في وصف النخلة هى أبرز الصفات التى تشابه فيها المسلم، فهذا الترتيب بين الوصف أولًا والتشبيه ثانيًا - فيما يبدو لى - أمر مقصود إليه في البيان النبوى [3]

فالنبى - صلى الله عليه وسلم - ذكر هذه الصفة وحدها من صفات النخلة مع أن لها صفات أخرى كثيرة [4] موجودة في جميع أجزائها، مستمرة في جميع أحوالها، فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعًا، ثم

(1) أخرجه البخارى من حديث ابن عمر - كتاب العلم - باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا - ح (61) - 1/ 175, وأخرجه مسلم - باب مثل المؤمن مثل النخلة - 17/ 153

(2) استخدم البيان النبوى وسائل مختلفة للوصف من أهمها: اعتماده التشبيه والتصوير، وقد سبق في مقدمة البحث بيان العلاقة بين الوصف والتصوير، ومما هو معلوم أن من أغراض التشبيه: تقرير صفة المشبه في ذهن السامع، وهذا الغرض يكثر في تصوير الأمور المعنوية والذهنية في صورة حسية مشاهدة حتى تتمكن الصورة في نفس السامع وتستقر في ذهن المخاطب لأن النفس إلى الحس أميل، وكما قالوا: من فقد حسًا فقد فقد علمًا. ينظر الإيضاح 3/ 35, وشروح التلخيص 3/ 399,398, والبيان في ضوء أساليب القرآن الكريم ص 79 أ. د. عبد الفتاح لاشين - ط دار الفكر - القاهرة - ط ثانية - (1420) هـ (2000) م.

(3) ولذلك قال العلماء: إن وجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق.

(4) قال العلماء: شبه النخلة بالمسلم في كثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، فإنه من حيث يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة، ولقد روى البزار بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك"صحيح مسلم بشرح النووى 17/ 154, وفتح البارى 1/ 177

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت